لطالما واجه التعليم والتربية الحديثة وأنظمة التعليم العالي تحدياً عميقاً يتمثل في الفجوة بين المعارف النظرية والتنشئة الاجتماعية الفاعلة للجيل الشاب، وفي مواجهة هذا التحدي، يوفّر نهج “التعلّم القائم على الخدمة” (Service Learning)، بوصفه نموذجاً متقدماً للتعليم والتربية قائماً على الخبرة، بيئةً يتم فيها الربط بين عملية التعلّم والمسؤولية الاجتماعية، وخدمة المحتاجين، وحلّ المشكلات الواقعية في المجتمع، وفي هذا السياق، فإن إطلاق الحملات والتشكيلات الطلابية المدرسية والجامعية التي تتمحور حول تقديم الخدمات في المناطق المحرومة والأقل حظاً، يوفّر فرصة استثنائية لتصميم نظام تربوي شامل وديناميكي وصانع للإنسان، ويقوم هذا النظام التربوي على ركيزتين متكاملتين، هما “بناء الذات الفردية” و”البناء الاجتماعي”، وفي هذا الإطار المفاهيمي، تخرج الأنشطة التطوعية من كونها مجرد فعاليات مرحلية ومعزولة، لتتحول إلى عملية تعلّم عميقة ومستدامة ومنهجية، لا يقتصر هدفها الأعلى على إزالة الحرمان المادي فحسب، بل يشمل أيضاً إعادة بناء البنية النفسية، والهوية الأخلاقية، والقدرات الإدارية لدى الجيل الشاب، إن دمج الخدمة الميدانية بالتدريب النظري والتأملات المعرفية، يوفّر بيئة عضوية للنمو المتكامل لشخصية المتطوعين، بحيث يُعاد تعريف مفهومَي الكفاءة الفردية والمسؤولية المدنية في الوقت نفسه، وفي الفقرات التالية سنقف على بعض النقاط المهمة.
اولاً: الأهداف العليا والتعددية الأيديولوجية، وآلية استقطاب الجيل الشاب وتحقيق تقاربه
تتمثل إحدى أبرز التحديات التي تواجه الأنظمة التربوية غير الرسمية في كيفية استقطاب وتنظيم وبناء التحالف بين الفئات الفكرية والثقافية والسياسية المتنوعة بين أوساط الجيل الشاب، وللتغلب على الاستقطاب الاجتماعي والفجوات بين الأجيال، تؤكد علم النفس الاجتماعي ونظريات التنشئة الاجتماعية التربوية مفهوم “الأهداف العليا” أو الأهداف فوق الفردية (Superordinate Goals)، ويقصد بالأهداف العليا تلك الطموحات والمقاصد السامية التي يتطلب تحقيقها التعاون المشترك، والتي تتجاوز قيمتها الجوهرية المصالح أو التوجهات أو التحيزات الجماعية والأيديولوجية، وتتمتع قضايا من قبيل إزالة الحرمان، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومساعدة المستضعفين في المناطق الأقل حظاً، بدوافع أصيلة وعاطفية وعابرة للانتماءات، يمكن أن تشكل أرضية لتقارب الشباب من ذوي المعتقدات والفئات وأنماط الحياة المتنوعة، وعندما تتشكل الحملات المدرسية والجامعية حول هذه القيم الإنسانية والوطنية، تحدث التفاعلات المباشرة وجهاً لوجه في بيئة واقعية وملموسة، وتؤدي هذه المواجهة العملية والعمل جنباً إلى جنب في إطار جبهة عمل مشتركة إلى تحطيم الصور النمطية الذهنية، ونفي الأحكام المسبقة بين المجموعات، وإضعاف الفقاعات الإعلامية المعزولة.ونتيجة لذلك، ينشأ نوع من الاندماج العملي والتعاطف العميق القائم على المسؤولية المدنية والإنسانية بين شباب قد لا يجدون، في الظروف العادية، أي نقطة مشتركة تجمع بينهم.
ثانياً: التحول الوجودي والمعرفي من منظور نظرية التعلّم التحويلي والمواجهة المباشرة
يمكن تفسير التحول الروحي والأخلاقي والسلوكي العميق لأعضاء هذا النظام التربوي علمياً بالاستناد إلى “نظرية التعلّم التحويلي” (Transformative Learning Theory)، ووفقاً لهذه النظرية، يكون التعلم عميقاً وتحويلياً عندما يجد الفرد نفسه في مواجهة بيئة غير مألوفة، فيمرّ بـ”المعضلة المربكة” (Disorienting Dilemma)، وهي حالة تتحدى افتراضاته ومعتقداته وأطره الدلالية السابقة، وتدفعه إلى إخضاع مسلّماته للمراجعة والنقد الجاد، إن الحضور المباشر للطلاب والتلامذة في المناطق المحرومة، ووجودهم بالقرب من الواقع المعيشي للمستضعفين، يولّدان تجربة حياتية جديدة تكسر الفقاعات الآمنة الحضرية والرفاهية والذهنية للفرد، كما أن المواجهة المباشرة مع الحرمان ومشاهدة مستوى معيشي أدنى، تفعّل لدى الفرد عملية إعادة تقييم قيمية وتقديرية لما يمتلكه من مقومات شخصية، ومن ثم توقظ ظاهرة التعاطف المعرفي والعاطفي العميق، وتعمل هذه التجربة الميدانية على تصحيح الصور النمطية المجردة حول أسباب الفقر، وتحويل المسؤولية الأخلاقية من مفهوم نظري إلى هاجس وجودي ومعاش، وإذا اقترنت هذه العملية بالتيسير التربوي والتأمل النقدي (Critical Reflection)، فإنها تؤدي إلى إعادة بناء “الأطر الدلالية” للفرد، وفي هذه التجربة التعليمية الواقعية، لا يكتسب الفرد نظرة جديدة تجاه المجتمع والفئات الأقل حظاً فحسب، بل يرتقي أيضاً بهويته الأخلاقية وذكائه العاطفي، ويؤدي هذا التحول الوجودي إلى أن يمتلك الفرد مستقبلاً، عند توليه مناصب إدارية أو مهنية، رؤية أكثر شمولاً وتعاطفاً وارتباطاً بالواقع، تستند إلى الحقائق الملموسة للمجتمع.
ثالثاً: الاستدامة التنظيمية، والدورة التربوية المستمرة على مدار العام الدراسي
تتمثل إحدى المشكلات الشائعة في مشاريع الخدمة التطوعية في طابعها المرحلي وعدم استمراريتها، الأمر الذي يحول دون تعميق مكتسباتها التربوية، واستناداً إلى الدراسات الطولية، فإن التغير في اتجاهات الأفراد ومعتقداتهم لا يتحول إلى سلوك مستدام في نمط الحياة إلا عندما يتم ترسيخه وإدماجه في إطار دورة مستمرة ومؤسسية واجتماعية، ومن هنا، يؤكد النموذج التربوي المنشود على بناء تشكيلات تنظيمية تتمتع طوال العام الدراسي بنشاط مستمر وحيوية مؤسسية، ولا ينبغي أن تقتصر هذه التشكيلات على تنظيم رحلة أو مخيم سنوي واحد، بل ينبغي أن تصمم بيئة تعليمية مستمرة تكون فيها الأنشطة والرحلات الميدانية نقطة تحول رئيسية.
وعلى امتداد العام الدراسي، يتم ضخ المكونات التربوية والمعرفية والتعليمية في جسم التنظيم من خلال عقد الندوات الفكرية، والحلقات الدراسية، وورش تحليل القضايا الاجتماعية، وبرامج النمو الفردي، وتؤدي هذه الدورة المستمرة إلى معالجة المعارف والحماس الناشئين عن الحضور في المناطق المحرومة على مدار العام، وتحويلهما إلى وعي اجتماعي، كما تهيئ ذهنية الأعضاء للمهمات اللاحقة، إضافة إلى ذلك، فإن الحضور المستمر للكادر التربوي والمعلمين والخريجين (الأجيال السابقة) إلى جانب العناصر الجديدة، يوفر بيئة لنقل الخبرات بين الأجيال وللتوجيه المعنوي، ويحوّل هذا الهيكل المنظم والسنوي التنظيمَ من فعالية عاطفية مؤقتة إلى “مدرسة مستمرة لصناعة الإنسان”، تحافظ على العملية التربوية بصورة دورية ومستدامة ونابعة من البيئة المحلية.
رابعاً: تنمية المهارات الإدارية، وتهيئة العمل المنظومي، وتحمّل المسؤوليات التنفيذية
إلى جانب أبعاد النمو الأخلاقي وبناء الذات الوجودية، تتمثل إحدى أبرز ثمار هذا النظام التربوي في تهيئة البيئة اللازمة لتدريب الجيل الشاب على العمل المنظومي، وإدارة المشاريع المعقدة، والتفكير القائم على حل المشكلات، وخلال التخطيط للرحلات والبرامج الخدمية وتنفيذها، تُسند إلى الطلاب والتلامذة أنفسهم مجموعة واسعة من المسؤوليات الواقعية والمليئة بالتحديات، وتشمل هذه العملية دورة شاملة من العمليات الإدارية تبدأ من مرحلة تقييم الاحتياجات والتخطيط الاستراتيجي، مروراً بجمع الموارد واستقطاب المساهمات الشعبية (Fundraising)، وصولاً إلى إدارة سلسلة التوريد والدعم اللوجستي، وانتهاءً بتنفيذ المشاريع العمرانية والصحية والتعليمية في البيئات الأقل حظاً، إن وضع الشباب في هذه الأدوار التنفيذية الحقيقية يعرّضهم لتحديات حية، وقيود شديدة على الموارد، ومتغيرات بيئية غير متوقعة. وفي هذه الورشة العملية، يتدرب الأفراد على المهارات الإدارية الناعمة والصلبة، مثل إدارة الوقت، وتفويض الصلاحيات، وإدارة الأزمات، وحل النزاعات الجماعية، والتخصيص الأمثل للموارد، والتفاوض مع مختلف أصحاب المصلحة المحليين والمنظمات، وتؤدي هذه التجربة العملية إلى ترسيخ روح المسؤولية، والعمل ضمن إطار مؤسسي، والتفكير المنظومي لدى المتطوعين، ويتعلم الفرد كيفية الابتعاد عن النظرة الفردية، والعمل ضمن كيان منظم، وتحقيق الأهداف التنفيذية المعقدة من خلال المشاركة الجماعية، وهي عملية تؤثر بصورة مباشرة في الكفاءات القيادية وفي إعدادهم لتولي أدوار محورية في مستقبل المجتمع.
اخيراً، إن تصميم وإرساء نظام تربوي قائم على الخدمة، يستند إلى الحملات والتشكيلات الطلابية المدرسية والجامعية، يقدم نموذجاً محلياً وشاملاً واستراتيجياً للاستجابة للهواجس التربوية والأخلاقية والإدارية لدى الجيل الجديد، ويتمكن هذا النموذج، من خلال تجاوز مقاربات التعليم المحض والقائم على الحفظ، من إقامة صلة عضوية بين أهداف منظومة التعليم والتربية وبين الاحتياجات الواقعية وعمليات إزالة الحرمان في المجتمع.
ويشكل الجمع بين الأهداف العليا بهدف تحقيق التقارب بين مختلف التوجهات الفكرية، وإحداث تحول معرفي وأخلاقي عميق من خلال المواجهة المباشرة مع الحرمان، والاستمرارية الهيكلية وضخ القضايا الفكرية على امتداد العام الدراسي، وأخيراً إسناد المسؤوليات الحقيقية للتدرب على الإدارة المنظومية وإدارة المشاريع، الأركان الأربعة لهذا النموذج التربوي، وإن الاستثمار المؤسسي، وتهيئة البيئة الداعمة، وتيسير المشاركة التلقائية لهذه التشكيلات الطلابية المدرسية والجامعية من جانب صانعي السياسات التعليمية، سيكون خطوة أساسية في اتجاه إعداد رأس مال بشري ملتزم وفعّال وواعٍ ويمتلك التفكير المنظوميلمستقبل البلاد، رأس مال يربط التحول في الذات بالالتزام بإعمار المجتمع.

اترك تعليقًا