في حوار مع الكاتبة والمترجمة والباحثة في الفلسفة اللبنانية مريم ميرزاده، يتناول معنى الشهادة وما تتركه من أثر يتجاوز لحظة الرحيل، يتوقف الحوار عند مسؤولية حفظ إرث الشهداء وتحويل سيرهم من ذاكرةٍ شفوية إلى أعمال أدبية وفنية وتربوية، كما يناقش دور أبناء الشهداء في حمل هذا الإرث مع الحفاظ على استقلالية مساراتهم، ومسؤولية المؤسسات والمجتمع في صناعة أثرٍ مستدام يليق بتضحياتهم.
رسول حسين ابو السبح… ليست الشهادة لحظةً تنتهي عند غياب صاحبها، ولا سيرةً تُستعاد في مواسم الذكرى، بل أثرٌ يمتد في الوعي، ويعيد تشكيل الأسئلة التي تطرحها الأجيال على نفسها وعلى حاضرها، ومن هنا، فإن الحديث عن الشهداء لا ينفصل عن الحديث عن الذاكرة، وعن المسؤولية التي تقع على عاتق من جاء بعدهم في حفظ المعنى، وصيانة الإرث، وتحويل التضحية من واقعةٍ في الماضي إلى طاقةٍ فاعلة في الحاضر.
وفي هذا السياق، استضفنا الأستاذة مريم ميرزاده، الكاتبة والمترجمة والباحثة الفلسفية من لبنان، ضمن مشروع “نتاج ثبات” الفكري، لنفتح معها مساحة حوارية تتجاوز الاحتفاء العاطفي إلى مسألة أعمق لمعنى الوفاء، ودور أبناء الشهداء، ومسؤولية المجتمع في حفظ هذا الإرث، وكيف تتحول سيرة الشهيد من ذاكرة شفوية إلى مادة حية في الأدب والفن والتربية، مجيبةً عن السؤال الأبرز، “كيف نحول الإرث من قصة نرويها إلى أثر نمارسه ومسؤولية نواصل صناعتها؟”.
حين نتحدث عن أبناء الشهداء، غالباً ما تقتصر النظرة المجتمعية على دائرة التكريم العاطفي والاحتفاء الرمزي، كيف يمكن برأيكم نقل هذه الثنائية من “الرعاية والذكرى” إلى “التكليف الواعي والمسؤولية التاريخية” في واقعنا المعاصر؟
إنّ فعل الشهادة هو التجلّي الأسمى للعرفان العملي، والتطبيق والمصداق لفكرة المقاومة التي تعدّ ردّة فعلٍ طبيعيّةً في وجه الطغيان والاحتلال وإرادة الهيمنة، ونحن نستقي من التاريخ الدروس التي تعلّمنا أنّ الشهادة ليست فعلًا يقتصر تأثيره على اللحظة، فالشهيد ليس فردًا يقتل عنصرًا من عناصر العدوّ فنحتفي ببطولته ونعزّي ذويه فحسب، لا أبدًا! فالحسين علّمنا بأنّ الشهادة فعلُ تحوّل، فعلٌ يؤسّس لخلود القضيّة، وإلا لما شهدنا تعاظم شعيرة الزيارة الأربعينيّة عامًا بعد عام، وكما آمنَ غاندي وأمثاله من مفكّري الغرب بأنّ الحسين علّمنا كيف ينتصر المظلوم بالدم على السيف، فإنّ فعل الشهادة اليوم، لا يختلف إثنان على أنّه تضحيةٌ فرديّةٌ، لكنّها تضحيةٌ ترسمُ مسار تحوّلٍ في أقدار الأمم، نحن اليوم، أمام شهادة آلاف الشباب في مختلف جبهات المقاومة، نقف ذاهلين أمام كلّ هذا الإيثار من أجل القضيّة، من أجل الإسلام، والبعض قد لا يفهم دوافع الشهيد، غير أنّنا بفضلهم صامدون اليوم في وجه أعتى شياطين الأرض، وبفضل تلك الدماء الزكيّة، نعيش ونكمل حياتنا، فهم صنّاع الحياة الحقيقيّون، الذين بلغوا مقام الشهود واختبروا الفناء الحقيقيّ في حضرة الخالق، فبدت لهم الدنيا سجنًا لأرواحهم التوّاقة للتحرّر.. أرواحهم العظيمة، من هنا كان واجبنا اليوم الحفاظ على خطّهم ونهجهم، بالفعل والسلوك، والقول والكلمة والثبات على موقف الحقّ أينما كنّا.
مع تباعد الزمن وتواتر متغيرات العصر السريعة، تتعرض الذاكرة الإرثية لخطر التحول إلى مجرد شعارات موسمية باهتة، من وجهة نظركم، ما هي الأدوات الحقيقية لحراسة هذا الإرث وجعله حياً وفاعلاً لا مجرد تاريخ يُروى؟
بعيدًا عن مسألة التوثيق التي تتولّاها بعض المؤسّسات الخاصّة بإرث الشهداء، أعتقد من اللازم توظيف كلّ المواهب الأدبيّة والكتابيّة وحتى الفلسفيّة في مسار حفظ التاريخ الشفوي، آلاف بل ملايين الشهداء ارتقوا ويرتقون منذ عقودٍ وحتّى اللحظة، هل نحفظ أسماءهم جميعًا؟ تلك الأسماء ينبغي أن تتحوّل إلى وجوهٍ وأبطالٍ لأعمالٍ أدبيّةٍ زاخرة بمآثرهم وأخلاقياتهم وتفاصيل حياتهم اليوميّة، وصولًا إلى التربية والقيم التي غذّت فيهم هذا التوجّه نحو التضحية في سبيل القضيّة، واختيار نهج المقاومة وتسطير الملاحم، ولا أعتقد أنّنا حتى اليوم، أدّينا هذا الواجب تجاههم، لا سيّما شهداء المحور، فحجم الأعمال الأدبية والروائيّة تحديدًا التي تتناول سير هؤلاء الشهداء ماتزال متواضعة جدًّا إذا ما قورنت بحجم القصص والحكايات التي تصلنا عنهم من الجبهات، اليوم، ثمّة مادّةٌ خام غنيّة جدًا هي حياة هؤلاء الشهداء بكل ما فيها من تفاصيل وحكايات سواءً في مجال الأسرة أو العمل أو الدراسة، وثمّة دائرةٌ كبيرةٌ من معارفهم يمكن أن نوظّف كلّ ذلك من أجل خلق أكثر الأعمال إبداعًا، سواءً في الرواية أو القصة أو حتى السينما والدراما، نحن مازلنا مقصّرين جدًا في حقّ أبطالنا، وآن الوقت لإعادة النظر في تكليفنا وواجبنا تجاههم.
يواجه الأبناء أحياناً تحدي الموازنة بين الوفاء لخط آبائهم وبين ضرورة بناء شخصياتهم واستقلاليتهم الفكرية والعملية، كيف يمكن للابن أن يحافظ على بوصلة الإرث دون أن يفقد حريته في الاشتباك الإبداعي مع تحديات حاضره؟
لا شكّ أن لأبناء الشهداء حياتهم الخاصّة بهم. لكنّ هذا لا يمكن أن ينفيَ أثر الشهيد في أسرته وفي مسار حياتهم وواقعهم، ولأنّ الأسرة هي الخليّة الأًصغر في المجتمع، وكما أنّ الشهيد كما سبق أن قلنا، يؤسّس لتحوّلٍ على صعيد مجتمعه، حيث إنّ فعل الشهادة كفيلٌ بإعادة صياغة الوعي الجمعي في مجتمعات المقاومة، فإنّه كذلك وبصورةٍ أكثر دقّةً، يؤسّس لتحوّلٍ على صعيد أفراد أسرته، بمعنى أوضح، لا يمكن لابن الشهيد أو بنت الشهيد أن تعيش في عالمٍ منفصلٍ عن العالم المشرّف الذي رسمته لهم شهادة الأب، طبعًا مسؤوليتهم أكبر وأعظم في حفظ هذا الإرث، ولعلّهم المعنيّون الأوائل في نقل سيرة آبائهم إلى الأقلام الإبداعيّة وإلى أصحاب المبادرات من أجل توثيق هذا الإرث وحفظه من التآكل أو الأفول، إذًا ليس بالضرورة أن يسلك الابن المسار ذاته بالطريقة ذاتها، بل لعلّه يفلح ويتفوّق بعطاءاته في مجالاتٍ أخرى سواءً بعلمه أو عمله أو شتّى مجالات إبداعه، غير أنّه أولًا وأخيرًا، امتدادٌ لذاك الأثر، لتلك الدماء، وهذا الأمر وحده كفيلٌ برسم حياة أبناء الشهداء، على النهج والخطّ، ولو اختلفت المسارات ما بين الأمس واليوم والغد.
إذا كان الإرث يمثل “الجوهر”، فما هو دور البيئة الحاضنة والمؤسسات المجتمعية في توفير الحاضنات التي تترجم هذا التكليف إلى مشاريع عمل مستدامة وصناعة أثر حقيقي؟
اليوم نواجه مشكلاتٍ تعيق صناعة الأثر الذي يحفظ إرث الشهداء، وذلك على مستوى المؤسسات المجتمعيّة والمراحل الإداريّة، والسبب غالبًا يتعلّق بأمورٍ من قبيل ضرورة أخذ الإذن قبل الدخول في خصوصيّات الشهيد، هذا الأمر، على أهميته طبعًا، يجعلنا متأخّرين دومًا ومتخلّفين عن القافلة، فقافلة الشهداء تطول أكثر فأكثر يوميًّا في جبهات المقاومة، وبهذا القدر الذي تبذل فيه الدماء، واجبنا أن نواكب بالعمل الإبداعي الذي يخلّد ميراثهم العريق، ثمّة حركة ترجمة مبشّرة جدًّا وثمّة كتّاب أجانب وإيرانيون يكتبون اليوم عن شهداء لبنان على سبيل المثال وحتى العراق، لكنّ الكاتب اللبناني وهذا ما ألمسه تحديدًا مازال يواجه بعض العراقيل سواءً في مراحل أخذ الإذن والمقابلات وحتى الموافقة على النشر، هنا يبرز دور هذه المؤسسات في السعي الحثيث لتسريع عجلة إنتاج الأعمال، بالتضافر مع عمل دور النشر وحرص الكاتب على متابعة الأمور المتعلّقة بتسريع ولادة الأثر، إنّ الحاضنة الشعبيّة اليوم، تشكّل المحرّك الأوّل، شعبًا ومؤسساتٍ وجمعياتٍ ودور نشر وشركات إنتاج. نحن جميعًا مطالبون.
في ختام هذا الحوار، تبدو قضية الشهداء أبعد من أن تكون ملفًا للذاكرة أو مناسبةً لاستعادة الماضي، إنها مسؤولية مستمرة تجاه معنى تركوه خلفهم، وتجاه أجيالٍ مطالبة بأن تمنح ذلك المعنى حياةً جديدة.
لقد وضعت الأستاذة مريم ميرزادة يدها على جوهر المسألة حين ربطت بين الشهادة والتحول، وبين حفظ سيرة الشهداء وإعادة إنتاج أثرهم في الأدب والفن والتربية والوعي، فالأسماء وحدها لا تكفي كي تبقى الذاكرة حيّة، كما أن التكريم وحده لا يصنع امتدادًا حقيقيًا، ما يبقى هو ما يتحول إلى معرفة، وقيمة، وسلوك، وإبداع، ومشروع.
ولعل أبناء الشهداء يقفون في قلب هذه المسؤولية، لا بوصفهم مطالبين باستنساخ حياة آبائهم أو السير في المسار ذاته، وإنما بوصفهم امتدادًا لذلك الأثر، قادرين على حمله إلى مجالات جديدة من العلم والعمل والإبداع، كما أن مسؤولية حفظ هذا الإرث لا تقع عليهم وحدهم، بل تتسع لتشمل الكاتب والمؤسسة والمجتمع ودور النشر وكل من يستطيع أن يمنح حكايات الشهداء فرصةً لتغادر حدود الذاكرة الخاصة نحو الذاكرة الجمعية.
من هنا، فإن الوفاء الحقيقي للشهيد لا يكون فقط بأن نتذكر اسمه، بل بأن نسأل… ماذا صنعنا نحن من الأثر الذي تركه؟

اترك تعليقًا