حين أتحدث عن الشهادة، لا أنظر إليها بوصفها لحظة انتهت بانتهاء حياة الشهيد، ولا أراها اسماً يُكتب في سجل، أو صورة تُعلَّق في مناسبة، أو كلمات تُقال ثم تنتهي بانتهاء الاحتفال، الشهادة، في نظري، مسؤولية تمتد بعد رحيل صاحبها، وذاكرة ينبغي أن تتحول إلى فعل، وأمانة تقع على عاتق المجتمع والدولة والمؤسسات وكل من بقي بعد أولئك الذين دفعوا ثمناً  غالياً  من أجل قضية آمنوا بها.

ولذلك، فإن كتابة سيرة الشهيد ليست ترفاً أدبياً  وليست محاولة لاستعادة الماضي فحسب، إنها محاولة لإنقاذ الإنسان من النسيان، فخلف كل شهيد أمٌّ تحفظ تفاصيله، وأبٌ يحمل صورته في قلبه، وأخوة وأخوات كبروا وهم يشعرون بغيابه، وأبناء كان ينبغي أن يكون بينهم أبٌ يرافقهم في المدرسة، ويشاركهم نجاحهم، ويجيب عن أسئلتهم، ويفرح معهم في تفاصيل الحياة الصغيرة.

ومن هنا بدأت رؤيتي الخاصة تجاه الشهداء، أن نكتبهم كما كانوا، لا كما نريد أن نراهم فقط، نبحث عن طفولتهم، أحلامهم، دراستهم، أعمالهم، صداقاتهم، مواقفهم، خوفهم، شجاعتهم، والأشياء البسيطة التي صنعت شخصياتهم، لأن الشهيد قبل أن يكون عنوانا كبيرا كان إنسانا له قصة، وكلما عرفنا قصته بصورة أعمق، أصبح حضور شهادته في وجداننا أكثر صدقا.

وأؤمن أن الاهتمام بالشهداء لا ينبغي أن يتوقف عند إقامة المناسبات وإطلاق الأسماء على الشوارع أو المؤسسات، على أهمية حفظ الذاكرة، فهناك مسؤولية أخرى أكثر عمقا، ماذا فعلنا لأبناء الشهداء؟.

إن ابن الشهيد لا يحتاج إلى الشفقة بقدر ما يحتاج إلى فرصة، لا ينبغي أن ينظر المجتمع إليه باعتباره إنسانا  فقد أباه فقط ، بل باعتباره إنسانا يحمل إرثا معنويا كبيرا، ويستحق أن يحصل على التعليم الجيد، والرعاية، والتأهيل، والعمل، والمساحة التي يستطيع من خلالها أن يثبت ذاته بجهده وقدراته.

تمكين أبناء الشهداء، في رأيي، هو أحد أصدق أشكال الوفاء لآبائهم، أن نفتح أمامهم أبواب العلم، وأن نساعد الموهوب منهم على تطوير موهبته، وأن نمنح المتفوق فرصة أكبر، وأن نقف إلى جانب من يريد إكمال دراسته، وأن نهيئ لمن يبحث عن عمل طريقا كريما، وأن نعاملهم على أساس الكفاءة والاستحقاق، لا على أساس العاطفة وحدها.

فالوفاء الحقيقي ليس أن نقول لابن الشهيد، “أبوك شهيد، ونحن نفتخر به” ثم نتركه يواجه الحياة وحده، الوفاء أن نقول له، “أبوك رحل شهيداً، لكننا لن نسمح أن تضيع أنت”

وأرى كذلك أن ملف الشهداء يحتاج إلى الانتقال من “الموسمية إلى الاستمرارية”، نحتاج إلى مشاريع تحفظ سيرهم، ومراكز توثيق تجمع شهادات عائلاتهم ورفاقهم، وكتب تعرف الأجيال بهم، وأعمال أدبية وفنية تروي حكاياتهم بلغة إنسانية صادقة، بعيدا عن التكرار والعبارات الجاهزة، “فالأمم لا تحفظ تاريخها بالشعارات وحدها، وإنما تحفظه حين تجعل الذاكرة علما وثقافة وتربية”.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه للشهيد هو أن نجعل من قصته درسا في الحياة، لا مجرد قصة عن الموت، نبحث في سيرته عن معنى المسؤولية، والصدق، والتضحية، وخدمة الآخرين، والثبات على المبدأ، ثم ننقل هذه المعاني إلى الجيل الذي لم يعرفه.

أنا أؤمن أن الشهيد لا يحتاج منا أن نبكي عليه إلى الأبد، يحتاج أن نفهم لماذا عاش، ولماذا اختار طريقه، وماذا ترك خلفه، وحين نعرف ذلك، يصبح تخليد الشهداء مشروعا لبناء الإنسان.

ولذلك، فإنني حين أكتب عن شهيد، لا أريد أن أكتب صفحة تنتهي عند آخر سطر، بل أريد أن أترك خلفي سيرة تستطيع أن تعيش بعدي، وأن يجد فيها ابن الشهيد شيئا من أبيه، وأن يجد فيها الشاب قدوة، وأن يجد فيها الباحث معلومة، وأن يجد فيها المجتمع سببا جديدا للاهتمام بهذه العائلات.

الشهادة لا تنتهي عند القبر، فمن هناك تبدأ مسؤولية الأحياء، ومن أجمل صور الوفاء أن يبقى اسم الشهيد حاضرا، لكن الأجمل من ذلك أن يبقى أثره حاضرا في إنسانٍ تعلّم، ونجح، وأبدع، وبنى مستقبله، عندها فقط نستطيع أن نقول إننا لم نكتفِ بتذكر الشهيد، بل حفظنا ما تركه لنا.

فليكن شعارنا… “نحفظ سيرة الشهيد، ونصون عائلته، ونمكّن أبناءه، ونحوّل الوفاء من كلمات إلى مستقبل”.