حوار مع سماحة آية الله الشيخ محسن فقيهى الأستاذ البارز في حوزة قم، حول فكرة الشهادة وما بعد الشهادة، وكيفية حفظ ذاكرة الشهداء وبناء الوعي، وكيف يمكن الانتقال بسيرة الشهداء من الاستذكار العاطفي إلى السلوك والعمل، مع التوقف عند مسؤولية أبناء الشهداء ودورهم في مواصلة المسار، وأهمية التوثيق والفكر في مواجهة الروايات المشوهة وصناعة جيلٍ يحمل إرث الشهادة بوعيٍ جديد.
رسول حسين ابو السبح… ليست الشهادة صفحةً تُطوى بانتهاء حياة صاحبها، ولا سيرةً تُستعاد في المناسبات ثم تُترك للذاكرة، بل هي فكرةٌ ومسؤوليةٌ ومسارٌ قابلٌ للاستمرار، من هنا يأتي مشروع “نتاج ثبات الفكري والمعرفي”، ليضع سؤال الشهادة والشهداء أمام مساحة أوسع من التذكر، نحو الفهم والتوثيق وبناء الوعي واستثمار التجربة في صناعة الإنسان.
وفي هذا الحوار، نفتح مع سماحة الشيخ جملةً من الأسئلة التي تتصل بجوهر المشروع، كيف ننتقل من استذكار الشهداء إلى استحضار فكرهم؟، وكيف تتحول سيرتهم من مادة للحديث إلى منهج للسلوك؟، وما مسؤولية أبناء الشهداء في مواصلة الطريق؟، وكيف يمكن للتوثيق والفكر أن يكونا أدواتٍ لحماية الذاكرة وصناعة المستقبل؟.
سماحة الشيخ، في زمن العولمة وثورة المعلومات، يعتقد البعض أن المشاريع التي تحيي ذكرى الشهداء هي مجرد “تأبين عاطفي استرجاعي”، كيف ترون إطلاق مشروع “نتاج ثبات الفكري والمعرفي” في مركز “ثبات”؟ هل نحن أمام ترف فكري، أم أن المشروع يشكل ضرورة وجودية وحائط صد دفاعي لحماية هوية الأمة الفكرية؟
بسم الله الرحمن الرحيم، إنَّ النظر إلى إحياء ذكرى الشهداء بوصفه “تأبيناً عاطفياً” هو قصرٌ للنظر عن إدراك حقيقة الشهادة في المنظور الإسلامي.، فالشهيد ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو “نصٌّ حيٌّ” في كتاب الأمة، إنَّ إطلاق مشروع نتاج ثبات الفكري والمعرفي ليس ترفاً فكرياً يُضاف إلى الأرفف، بل هو ضرورة وجودية وحائط صدٍّ منيع، إننا في زمن العولمة، حيث تذوب الهويات في بوتقة التنميط الغربي، نجد أنَّ فكر الشهيد يمثل “المانع الجيني” الذي يحمي عقيدة الأمة وثقافتها، فهذا الفکر ليس استرجاعاً لماضٍ، بل هو استحضارٌ لمبادئ الشهيد التي تُعدُّ “أصولاً ثابتة” في مواجهة المتغيرات، إنَّ كلَّ فكرةٍ يتركها الشهيد هي لبنةٌ في بناء صرح الهوية، وتجاهلُ تدوينها أو نشرها هو تفريطٌ في جزءٍ من سيادة الأمة الفكرية.
كيف ننتقل بسيرة الشهداء من مجرد “قصص للبكاء والافتخار” إلى “معادلة لبناء السلوك اليومي وصناعة النخب”؟ وحسب رؤيتكم ما هي الآلية التخصصية لتمكين أبناء الشهداء ليكونوا هم القادة والمحرك الأساسي لهذا التغيير وليس مجرد متلقين للدعم؟
الشهادة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليست هدفاً نهائياً بحد ذاتها، بل هي “منهج حياة”، وللانتقال من مرحلة “البكاء العاطفي” إلى “بناء السلوك”، الآلية التخصصية تكمن في استخراج قواعد السلوك من سيرة الشهيد وتحويلها إلى نظام تربوي، أما بالنسبة لأبناء الشهداء، فالتغيير الجوهري يبدأ بفك الارتباط النفسي بين “المعونة المادية” وبين “الاستحقاق المعنوي”، يجب تمكينهم من خلال مراكز تفكير يقودونها بأنفسهم، حيث لا يتلقون الدعم فحسب، بل يُديرون المؤسسات، ويحللون المشهد الاستراتيجي، ويصيغون السياسات الثقافية، إنَّ “وراثة الدم” لا تعني “التبعية”، بل تعني القيادة والاستخلاف في المسار الذي خطه الآباء.
تتردد بين أبناء الشهداء أسئلة صريحة حول حدود مسؤوليتهم، هل يحق لابن الشهيد أن يعيش حياة طبيعية كباقي أفراد المجتمع، أم أن اسم والده “قيد شرعي وأخلاقي” يفرض عليه سلوكاً استثنائياً؟، من الناحية الفقهية والتربوية، ما هو التكليف الفعلي الصريح المترتب على ابن الشهيد، أولاً تجاه أبيه الشهيد، وثانياً تجاه المجتمع الذي ينظر إليه بعين الفحص والمراقبة؟
هذا سؤالٌ يحتاج إلى فقهٍ تربوي، هل ابن الشهيد مقيد؟
في ميزان الشرع، لا يُطلب من ابن الشهيد أن يكون “نسخة كربونية” عن أبيه، فلكل إنسانٍ قدراته، ولكن، هناك ما نسميه “مسؤولية القدوة”.
التكليف الفعلي:
١. تجاه الأب: لا يعني التقديس بل الاستمرارية، الأب الشهيد قدم حياته ليعيش المجتمع بكرامة، وتكليف الابن هو أن يساهم في إعمار هذا المجتمع الذي دفع والده ثمن وجوده. الامتداد يكون بالإنجاز، لا بالبقاء في ظل الاسم.
٢. تجاه المجتمع: المجتمع ينظر لابن الشهيد كـ “مقياسٍ” لقيمة التضحية، إذا رأى الناس ابن الشهيد ناجحاً، متفوقاً، وأخلاقياً، قالوا، “تضحية والده لم تذهب سدىً”، هذا هو التكليف، النجاح كرسالة، إنَّ حياتك الطبيعية التي تعيشها بكرامة وعلم هي في حد ذاتها إثباتٌ لصدق قضية والدك، أنت لست قيداً، بل أنت دليلٌ حيّ على أن القضية التي استشهد من أجلها هي قضيةٌ عادلة ومنتجة.
تُنفق المؤسسات الغربية ملايين الدولارات لشيطنة مفهوم “الشهادة” وتشويه تاريخ الشهداء عبر مصطلحات كـ “العنف” و”الراديكالية”، حسب رؤيتكم كيف نحمي تاريخ شهدائنا الناصع من هذا التجريف الإعلامي؟ وكيف نرد بصدمة فكرية تكشف زيف هذه السردية؟
إن الغرب يستخدم مصطلحات “العنف” و”الراديكالية” كسلاحٍ للغزو الفكري، الرد لا يكون بالخجل، بل بـالهجوم المعرفي:
١. إعادة تعريف المفهوم: نحن لا ندافع عن “العنف”، نحن ندافع عن “الحق في الدفاع عن النفس والوطن”، يجب أن نملأ الفضاء الرقمي بمقالات وأبحاث تقارن بين الجهاد وبين الإرهاب الاستعماري.
٢. الشفافية التوثيقية: توثيق حياة الشهداء ليس بالأناشيد فقط، بل بالوثائق والشهادات العلمية والفنية، نحتاج إلى أعمالٍ سينمائية وأدبية عالمية تخاطب العقل الغربي بلغته، تظهر الشهيد كـ “إنسانٍ سويٍّ” دافع عن أرضه وعقیدته.
٣. الصدمة الفكرية: الصدمة لا تكون بالصراخ، بل بالحجة، أن نفضح زيف السردية الغربية التي تقتل الملايين ثم تسمي ذلك “دمقرطة”، وتسمي دفاعنا عن بيوتنا “تطرفاً”، يجب أن نكون نحن من يكتب التاريخ، لا من يُكتب عليه التاريخ.
لو طلبنا من سماحتكم “دستور عمل” أو توصيات حاسمة ومركزة تُكتب بالخط العريض لأبناء الشهداء في مواجهة تحديات العصر.. ماذا تتضمن هذه التوصيات؟
هذه نقاطٌ حاسمة تكتب بمداد البصيرة:
١. التفوق هو الجهاد الأكبر: في عصرنا، القلم والتقنية والبيانات هي السلاح الأقوى، كن الأول في مجالك، فبنجاحك تسقط أقنعة من يتهمونك بالرجعية.
٢. استقلال الوعي: لا تكن “صدىً” لآراء الآخرين، اقرأ، حلل، وكن صاحب رأيٍ مستقلٍ نابعٍ من أصالتك.
٣. الأخلاق هي الحصن: التزامك بالأخلاق في بيئةٍ مادية هو “فعلٌ ثوري”، لا تنجرف وراء التحلل تحت مسمى العصرنة.
٤. وحدة الصف: كونوا كتلةً فكرية واحدة، لا تسمحوا للخلافات الجانبية أن تفتت قوتكم.
٥. صلة الرحم بالهدف: حافظوا على التواصل مع رفقاء آبائكم الشهداء، استلهموا منهم و ابحثوا عن طريقتكم الخاصة في تنفيذ أهدافهم.
من وحي الرؤية الفكرية والبصيرة الاستراتيجية لسماحة الإمام الشهيد الخامنئي حول قيمة الشهادة وأبناء الشهداء، حيث يؤكد في كلماته أن “إحياء ذكرى الشهداء هو استمرارٌ لمسيرة الجهاد والشهادة نفسها” كلمة الإمام الخامنئي رضوان الله عليه في لقاء أعضاء ثلاثة مؤتمرات إحياء ذكرى الشهداء: 16-02-2015 ، كيف نترجم هذا المفهوم المحوري إلى واقع عملي يمنح أبناء الشهداء الطاقة الفكرية والروحية لاستكمال هذا المسار؟
رؤية الإمام الشهيد الخامنئي: ترجمة “الجهاد المستمر”، حين يقول الإمام الخامنئي (رض) إن إحياء الذكرى هو “استمرار للجهاد”، فهو يضع يده على “الديناميكية” التي تحرك الأمة.
كيف نترجم هذا؟، إن الشهيد في وعينا لا يموت، والجهاد لا يتوقف بموت المقاتل. الجهاد هو حركة الأمة نحو الكمال.
الترجمة العملية، أن يرى ابن الشهيد “مهنته” أو “دراسته” أو ” مشروعه التجاري” كجزءٍ من “المعركة الكبرى” للأمة، عندما تذهب إلى عملك الصباحي وأنت تستحضر روح والدك، فإنك تحول ذلك العمل من روتين إلى عبادة، إن الطاقة الروحية تأتي من “الإدراك”، إدراك أنك لست مجرد موظف أو طالب، بل أنت جنديٌ في معركة الحفاظ على الهوية.، استمرار المسار يعني ألا يهدأ لنا بال في تطوير أدوات الأمة، وحمايتها، والارتقاء بها، الجهاد اليوم هو جهاد التبيين، جهاد العلم، وجهاد البناء، من يتبنى هذا الوعي، سيجد في قلبه طاقةً لا تنضب، وفي عقله نوراً يهديه في أزمنة الظلمة.
في ختام هذا الحوار، تبدو الشهادة أبعد من كونها حدثًا من الماضي، إنها معنىً يمكن أن يستمر كلما تحوّل إلى وعيٍ وعلمٍ وعمل.
ولعل الرسالة الأبرز التي يتركها هذا الحوار أن الوفاء للشهداء لا يكون فقط بحفظ أسمائهم وسيرهم، وإنما بتحويل ما تركوه من قيم ومبادئ إلى أثرٍ حيّ في المجتمع، وأن يكون أبناء الشهداء جزءًا فاعلًا في صناعة هذا الامتداد، لا مجرد شاهدين على تاريخ آبائهم.
وهنا تبرز مسؤولية “نتاج ثبات”، أن يكتب، ويوثق، ويناقش، ويعيد تقديم فكرة الشهادة للأجيال بلغةٍ قادرة على الوصول إلى العقل والوجدان، لتبقى الشهادة فعلًا ممتدًا، لا ذكرى عابرة.

اترك تعليقًا