في حوار خاص، يتناول الأديب والروائي العراقي كمال السيد دور الأدب في توثيق الشهادة وإحياء أثر الشهداء في وجدان الأجيال، متوقفًا عند تجربة الرواية في استحضار ملاحم المقاومة، وأثر تضحيات الآباء في بناء هوية أبناء الشهداء، كما يناقش أهمية حفظ الذاكرة الجهادية، ودور الثقافة والأدب في صيانة القيم الإنسانية والروحية من تقلبات الزمن.
رسول حسين ابو السبح… في زمنٍ تتزاحم فيه الأحداث، وتتعرض الذاكرة لمحاولات النسيان والتسطيح، يبقى الأدب واحدًا من أقدر الوسائل على استعادة الإنسان في لحظاته الكبرى، وحفظ المواقف التي صنعت معنى التضحية والثبات، فالشهادة، في بعدها الإنساني والروحي، ليست خاتمة حياة، بل أثرٌ يمتد في الوعي، ويعيد تشكيل الأسئلة حول الإيمان، والرسالة، والمسؤولية.
ومن هذا المنطلق، يكتسب الأدب الذي يستنطق تجارب المقاومين والشهداء أهمية تتجاوز السرد والتوثيق، ليصبح جسرًا بين التجربة التاريخية ووجدان الأجيال، وفي هذا الحوار، نلتقي الأديب والروائي العراقي كمال السيد، صاحب التجربة الأدبية الممتدة في تناول القيم الدينية والإنسانية، وسير الشهداء وشخصيات المقاومة، لنحاوره في قدرة الرواية على إحياء الشهادة، وأثر تضحيات الآباء في أبناء الشهداء، ودور الثقافة في صيانة الذاكرة وصناعة الوعي.
حوارٌ يفتح أبوابًا على علاقة الأدب بالحياة، والذاكرة بالمستقبل، والشهادة بوصفها قيمةً تتجاوز حدود الزمن.
عُرفت أستاذ كمال بغزارة إنتاجك الأدبي والروائي الذي وثّق مأساة وبطولات جيل كامل من المعارضين والشباب المجاهدين، كيف استطاع القلم الأدبي والروائي أن يوثق الشهادة بوصفها حالة ارتقاء روحي، بمعزل عن التقريرية التاريخية الجافة، وكيف يمكن للرواية أن تحيي ديمومة الشهيد في وجدان الأجيال القادمة؟
بسم الله الرحمن الرحيم
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾.
يقول السيد الشهيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه، “إن الشهادة هي أعظم نصر يمكن أن يحققه الإنسان في حياته”، وهذه الكلمة النورانية تختصر مسيرة عظيمة من البذل والفداء، و تلخص فلسفة وجودية عميقة تقوم على أن الحياة الحقيقية ليست في البقاء الجسدي، بل في الفناء في سبيل الله، وفي العطاء الذي يتجاوز حدود الذات ليصل إلى الآفاق الرحبة للخلود.
والحقيقة أن فترة منتصف السبعينات وإلى فصول متأخرة قبل سقوط النظام البائد، خاض الشعب العراقي ملحمة كبيرة في المقاومة والنضال، وشهدت فترة الثمانينات ملاحم بطولية من الإقدام والشجاعة والتضحية في سبيل الله، وقد قُدّر لي أن أسجل بعض تلك الملاحم في روايات كانت بواكيرها الأولى إشراقة أمل في سماء الأدب المقاوم.
كانت رواية “آخر أساطير الحب” التي جسدت ملحمة كبرى في التضحية، تمثلت في شجاعة الشهيدة الباسلة ميسون غازي الأسدي وخطيبها حسام الصريفي.
وفي رواية “عواطف وأمل”، التي عكست جانبًا من تضحيات وبطولات الشهيدة عواطف الحمداني وزوجها ناصر، وكذلك أمل الربيعي وخطيبها.
كما صدرت رواية “السماء تفتح أبوابها في المساء”، التي جسدت جانبًا من تضحيات وبطولات الشهيدة فاطمة الحسيني وزوجها سيد جمال الموسوي.
وأيضًا صدرت رواية “سمراء الجنوب” لتروي للأجيال ملحمة التضحية والفداء من خلال تغطية حوادث وقعت في مدينة البصرة، وكان للشهيدة سميرة عودة المنصوري دور البطولة، وكذلك لزوجها الشهيد عبد الأمير.
إن للرواية والقصة دورًا كبيرًا في ضخ الأفكار إلى وجدان الشباب، وأفضل طريقة لتقديم القيم وإحيائها في وجدان المجتمع هي عن طريق العمل الفني والأدبي، على أساس أن الأدب هو الذي يمكنه أن يفسر الحياة، ولهذا كان للرواية والقصة دور في إحياء القيم وبعثها في وجدان المجتمع، وخاصة شريحة الشباب.
في جيلنا، نحن الذين ولدنا في أواخر الخمسينات ومطلع الستينات، كان هناك هاجس البطل في مجتمعنا، ولدى شبابنا في تلك المرحلة من التاريخ الحديث، كان جيلنا يبحث عن البطل، ولهذا ما إن انتشرت أعمال الشهيدة السيدة بنت الهدى، شقيقة الشهيد السيد محمد باقر الصدر، حتى هب شبابنا إلى تلقف هذه الأعمال بشوق ولهفة.
وكان لرواية “الفضيلة تنتصر” تحديدًا دور كبير في ظهور جيل من الشباب الملتزم المعاصر، وأستطيع أن أقول بقوة إن الزي الإسلامي المعاصر ظهر في تلك الفترة بعد انتشار هذه الرواية التي كانت من وحي الخيال، و لكنه الخيال الواقعي، فمقداد لم يكن له وجود خارجي، وكذلك نقاء بطلة الرواية لم تكن لها وجود خارجي، ولكنها كانت منتزعة من عمق الواقع في المجتمع العراقي، وما أكثر من أطلقت على مواليدها في تلك الفترة اسم نقاء.
كتبت مؤخرًا رواية عن السيدة الشهيدة تحت عنوان “عليها السلام أو جيل الملائكة”، وحاولت أن أغطي حياتها من خلال هذا العمل الأدبي الروائي، وإن شاء الله سترى النور قريبًا بإذن الله.
الشهادة في أدبيات المقاومة والثبات لا تترك خلفها فراغًا، بل تفرز طاقات ومسؤوليات كبرى، من خلال قراءتكم لواقع أبناء الشهداء، كيف تقرؤون أثر التضحيات الأبوية في تمكين الأبناء وصياغة هويتهم الرسالية، وكيف يمكن للمجتمع المؤسساتي أن يحفظ هذا الإرث من التلاشي؟
الحقيقة أن الشهادة هي أعظم نصر يمكن أن يحققه الإنسان في حياته، كما قال السيد الشهيد محمد باقر الصدر، وكانت الشهادة لدى الشهيد جمال أبو مهدي المهندس أمنية، وهي كذلك كانت لدى الشهيد الحاج قاسم سليماني، وهذه الأمنية التي تتردد في قلوب الأحرار هي التي تصنع المجد الخالد، وتفتح أبواب السماء لقوافل النور.
حقيقة أن الشهادة في أدبيات المقاومة والثبات لا تترك خلفها فراغًا أبدًا، بل إنها تفرز طاقات كبرى من خلال هذا الدم القاني، وهنا أشير إلى الملحمة التي سطرها الشهيد عصام، ابن الشهيد أبي عصام “صاحب الدخيل”، فلقد كانت شهادة الشهيد أبي عصام رضوان الله عليه دافعًا كبيرًا وإلهامًا خالدًا لابنه ونجله الشهيد عصام.
وما أكثر الملاحم التي سجلها أبناء الشهداء، لقد بقيت تضحيات آبائهم تشتعل في الذاكرة، وتشتعل في وجدانهم، وتتألق في أحلامهم ورؤاهم و أمانيهم، فإذا بهم يسيرون على خطى الراحلين إلى الله.
أما أبناء الشهداء، فإنهم يستلهمون الميراث الخالد بملاحم آبائهم، بالملاحم التي سطرها آباؤهم، صحيح أن لوعة الفقد تترك في النفس أثرًا لا يمحى، ولكن عظمة الشهادة ومجد الشهادة يلهمهم أن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى هو طريق التضحية والفداء.
يحمل أبناء الشهداء إرثًا نفسيًا ووجدانيًا فريدًا، فهو مزيج من لوعة الفقد وعظمة القدوة، من منظوركم النفسي والأدبي، كيف تنعكس سيرة الآباء المضحين على البناء النفسي والسلوكي للأبناء؟ وهل ترون أن هذه الذاكرة المشتركة تتحول إلى محرك دافع للإبداع والتميز بدلًا من أن تكون عبئًا عاطفيًا؟
إن لوعة الفقد تترك في النفس أثرًا لا يمحى، ولكن عظمة الشهادة ومجد الشهادة يلهمان أبناء الشهداء أن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى هو طريق التضحية والفداء.
فالعقل ما اكتسب به الجنان، وما عُبد به الرحمن، كما يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، “العقل ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان”.
ويقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه، “فليصدق رائد أهله، وليحضر عقله، وليكن من أبناء الآخرة، فإنه منها قدم وإليها ينقلب”.
الجنة هي أرض الوطن، وهذا هو معنى، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.
الشهداء هم حداة هذه القافلة وهداتها، والشهيد هو مجد خالد أبد الدهر.
في خضم التحولات الفكرية والاجتماعية المعاصرة، كثيرًا ما تواجه الذاكرة الجهادية والتضحيات الكبرى تحدي الاستهلاك أو التسطيح، بناءً على تجربتكم الطويلة في استنطاق المواقف التاريخية برؤية أدبية خاصة، ما الركائز الأساسية التي يجب أن تعتمدها النخب الثقافية والأدبية لتقديم ثقافة الشهادة بلغة عالمية عابرة للزمان والمكان؟
كل هذا الضجيج الإعلامي إذا لم يرتكز إلى ثوابت القيم الإنسانية والأخلاقية، فإنه سيذهب هباءً منثورًا، ويبقى المجد والخلود للشهادة والشهداء.
إن الاستشهاد في سبيل الله، وفي سبيل القيم الإنسانية والأخلاقية، وفي سبيل تحرير الإنسان من هيمنة الشياطين، لا يمكن أن تؤثر عليه تقلبات الزمن.
الشهادة بدمائها القانية، بملحمتها البطولية، بأثرها الخالد، لا يمكن أن تخضع للعوامل الأرضية، إنها مجد سماوي خالد، وملحمة الشهادة ملحمة لا يمكن أن تزول.
ربما يعلو الضجيج، وربما يعلو الصخب، وربما تعلو الثرثرة، ولكنها سوف تزول لأنها محكومة بالزوال. أما الشهادة فإنها شجرة خالدة ضاربة بجذورها في عمق الأرض والإنسان.
الشهادة قيمة عليا لا تخضع لتقلبات الزمن، ولا تخضع لزيف الطواغيت في هذه الأرض، الشهادة إرث سماوي لا يمكن لأجواء الأرض والحياة في الدنيا أن تؤثر على هالتها المقدسة وأنوارها الساطعة المضيئة.
ويبقى الإنسان الشهيد هو من يصنع التاريخ حتى بعد رحيله.
ومن المؤسف أن نسمع مصطلح “الشهيد الحي”، لأن هذا يتعارض مع نصين صريحين في القرآن الكريم:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
و﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
إن مصطلح “الشهيد الحي” مصطلح خاطئ يتعارض مع النص القرآني بوضوح وصراحة، ولهذا أسترعي انتباه الذين ينشرون مذكراتهم تحت عنوان “مذكرات الشهيد الحي”، لأن الشهيد حي لا يموت.
الشهادة والاستشهاد في سبيل الله إرث حضاري كبير ومصنع للقيم الخالدة، ولا يمكن لأمة تنتج الشهداء وتقدم الشهداء أن تموت.
لقد كان لاستشهاد السيد محمد باقر الصدر أثره الكبير في تفجير الثورة، ثورة المجتمع العراقي ضد نظام الطاغية صدام التكريتي، لقد كان لاستشهاده الأثر الكبير في انطلاق قوافل الشهداء، وكما قال رضوان الله عليه في ندائه الأخير:
“وأنا أعلن لكم يا أبنائي أني قد صممت على الشهادة، ولعل هذا آخر ما تسمعونه مني، وأن الجنة قد فتحت أبوابها لتستقبل قوافل الشهداء حتى يكتب الله لكم النصر”.
وفي عصرنا الحاضر، شاهدنا بأم أعيننا كيف كان لاستشهاد السيد علي الخامنئي، قائد الثورة، على ذلك النحو الفجيع الذي يشبه استشهاد جده الإمام الحسين سيد الشهداء، وكيف كان لهذه الشهادة الأثر الكبير في هذا الانبعاث الحضاري العظيم، وتوحد المجتمع وتآلف القلوب.
وهذه التجمعات التي ما تزال تجري على قدم وساق في الساحات والميادين وفي المراكز الحيوية، وكيف تخفق الرايات والأعلام، تسجل حضور المجتمع الإيراني والشعب الإيراني بإرادة موحدة وصوت واحد.
إن هذا لا يمكن أن يحصل لولا إرادة الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى الذي يمجد الشهادة ويمجد الشهداء.
وكان لهذه الشهادة الأثر الأكبر في تألف القلوب وتوحد أفراد المجتمع وتضامن الشعب وتماسكه، بالرغم من مرور أكثر من 200 يوم، وهم ما يزالون في الساحات والميادين يعلنون للعالم أجمع وقوفهم إلى جانب الحق والحقيقة، و مقارعتهم و مناهضتهم للطواغيت، كل الطواغيت في هذه الأرض.
وسيكتب الله لنا النصر، وسيكتب الله لهذه الأمة النصر الحاسم بإذن الله سبحانه وتعالى، لأن الشهداء هم في الواقع أبطال المجتمع، وهم أبطال الإنسانية كلها، أبطال الإنسانية جمعاء.
في ختام هذا الحوار، تتأكد حقيقة أن الشهادة لا تختزل في لحظة الرحيل، ولا تُحصر في صفحات التاريخ، بل تمتد آثارها في الوجدان، وتبقى مصدرًا للقيم والمعاني التي تستلهم منها الأجيال طريقها.
ومن خلال رؤية الأديب كمال السيد، يظهر الأدب بوصفه مسؤولية تجاه الذاكرة، ووسيلة لاستعادة الإنسان في مواقفه الكبرى، وحفظ المآثر من أن تطويها الأيام، فحين يلتقي القلم بالتضحية، لا يعود السرد مجرد استحضار للماضي، بل يصبح فعلًا في الحاضر، ومحاولةً لصياغة وعيٍ يعرف قيمة الشهادة، ويقرأ أثرها في حياة الأفراد والمجتمعات.
تبقى الشهادة، كما عبّر ضيفنا، إرثًا لا تنال منه تقلبات الزمن، ويبقى الأدب أحد السبل التي تمنح هذا الإرث لغةً قادرة على الوصول إلى القلوب، وإبقاء المعنى حيًا في ذاكرة الأجيال.
كل الشكر للأديب كمال السيد على هذا الحوار، وعلى ما قدّمه من رؤى وتجارب تستحق التأمل والقراءة.

اترك تعليقًا