حوار مع الدكتور محمد مهدي شريعتمدار، دبلوماسي إيراني سابق ومستشار ثقافي وخبير في الشؤون الإقليمية والسياسية، صاحب تجربة تمتد لأربعة عقود في ترجمة فكر قائد الثورة الإسلامية، ومترجم خاص لخطابات الإمام الشهيد الخامنئي ورفيق دربه، يناقش الحوار فكر الثورة الإسلامية وأثره في صناعة الوعي، وثقافة المقاومة وسيرة الشهداء و انعكاساتها على الوعي الإقليمي، إلى جانب تجربة الضيف في ملامسة الجوانب الفكرية والروحية لشخصية الإمام الخامنئي.
رسول حسين ابو السبح… لم تكن الثورة الإسلامية، في رؤية الدكتور محمد مهدي شريعتمدار، مجرد تحول سياسي أو تغيير في موازين القوة، بل كانت قبل ذلك مشروعًا فكريًا أعاد طرح الدين في مسرح الحياة، وأعاد قضية فلسطين إلى صلب المعادلات السياسية، وقدم للشعوب المستضعفة فكرة القدرة على مواجهة الاستكبار والدفاع عن القضايا العادلة.
من هذه الرؤية ينطلق الحوار، ليقترب من العلاقة بين الفكر والشهادة، وبين تضحيات الميدان والوعي الذي يتشكل بعدها، فالشهادة، كما يوضح شريعتمدار، ليست نهاية الطريق، وإنما بداية حياة أبدية، ومسؤولية تستمر عبر حفظ النهج، ومواصلة الدور، والوقوف في وجه محاولات طمس الهوية الجهادية وتزييف الذاكرة.
وبخبرة امتدت أربعة عقود في ترجمة فكر قائد الثورة الإسلامية، وتجربة دبلوماسية وثقافية في المنطقة، يتحدث الدكتور محمد مهدي شريعتمدار عن ثقافة المقاومة كما عرفتها الشعوب، وعن حضور الشهداء في وجدان الإمام الخامنئي، وعن المعنى الذي تكتسبه الشهادة حين تتحول من ذكرى إلى وعي، ومن تضحية إلى التزام.
دكتور شريعتمدار، خبرتكم العميقة الممتدة لأربعة عقود في ترجمة فكر قادة الثورة الإسلامية جعلتكم في موقع العارف بأدق تفاصيل هذا المشروع، كيف تصفون لنا أثر هذا الفكر الثابت في صناعة جيل لا يرى في الشهادة نهايةً بل بدايةً لتمكين الأمة؟
أولاً، بالنسبة للفكر الثابت في صناعة جيل لا يرى في الشهادة نهايةً بل يرى فيها بدايةً لتمكين الأمة، أود أن أقول إن الثورة لم تكن انقلاباً عسكرياً أو ثورة جهوية يقودها حزب أو اتجاه معين، الثورة بعد الله سبحانه وتعالى وبقيادة القائد المفجر لها، الإمام الخميني الراحل (رضوان الله تعالى عليه)، اعتمدت على الناس وعلى الفكر، لم تعتمد لا على القوة العسكرية، لا على النخب، لا على الأحزاب، لا على الإمكانيات المادية، وطرحت خطاً مختلفاً، نهجاً مختلفاً، الفكر السياسي لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) كان دائماً في المعارضة، وانتقل بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران إلى الحكم، وربما حكومة الجمهورية الإسلامية في إيران هي أول تجربة للحكم الرشيد وفق مدرسة أهل البيت، هذه الثورة، هذا الفكر، هذا الانتصار غير المعادلات السياسية وموازين القوة في المنطقة بل وفي العالم، أعاد الدين إلى مسرح الحياة، أعاد قضية فلسـ طين إلى المعادلات السياسية ليس في المنطقة فحسب وإنما في العالم، وطرح مقولة إننا قادرون، قادرون على مواجهة الاستكبار العالمي، قادرون على الدفاع عن القضايا العادلة وعلى رأسها قضية فلسـ طين، قادرون على مواجهة الكـ يان الإس ـراـئيلي، الثورة هي الفكر، وهذا ما برز في فكر الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) مفجر الثورة الإسلامية في إيران وفي فكر الإمام الخامنئي الشهيد (رضوان الله تعالى عليه).
إذا كان الإمام الخميني هو المؤسس للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن الإمام الخامنئي هو المُمَأسِّس لهذه الجمهورية، هو الذي أُسندها بمجموعة من الوثائق والخطط الاستراتيجية، التخطيط الاستراتيجي و الاستشرافي تم في عهده، وهذا بحاجة إلى فكر، إلى بحوث، إلى دراسات، وهذا ما قام به المختصون بأمر من ولاية الفقيه في عهد الإمام الخامنئي.
طبعا هذا الفكر كان تغريداً خارج السرب المعتمَد عالمياً، لم يطلق الاستكبار العالمي هذا النهج، ولذلك بدأ بتخطيط المؤامرات وتنفيذها بتقوية معارضي الثورة، محاولة الانقلاب العسكري الذي حصل، الهجوم المباشر ليس في بداية الثورة وفي صحراء طبس فحسب، وإنما في السنوات والنصف الأخيرة أكثر من هجومين تمت من قبل العدوان الصهيو/أمريكي على إيران، الحرب التي استمرت ثماني سنوات من قبل نظام صدام حسين وبأمر من الاستكبار العالمي ودعم منه، الحصار الاقتصادي المفروض لأكثر من أربعة عقود والذي استهدف معيشة المواطن، واستهدف أن يجعل المواطن في مواجهة الثورة وفي مواجهة الجمهورية الإسلامية ويحرك ضده ليزعزع المجتمع الإيراني من الداخل، الإعلام الموجه، إن كان عبر القنوات، يقال إن ما يقارب أربع مئة قناة موجهة باللغة الفارسية للداخل الإيراني، أو عبر الفضاء الافتراضي، كل ذلك كان من أجل محاولات التأثير على الداخل الإيراني حتى وصل الأمر اعوذ بالله التعرض لبعض المقدسات الدينية.
ولم يكن من قبل الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني يعني مبادرة إلا الدفاع عن المقدسات، الدفاع عن الثورة، الدفاع عن القضايا العادلة، الكثير يمكن أن نقوله في هذا المجال، لكن ذروة هذا الدفاع هو ما ورد في مقولة ومصطلح “جهاد التبيين” الذي طرحه الإمام الخامنئي الشهيد (رضوان الله تعالى عليه)، من ضمن هذا الجهاد، هذه المواجهة، هذا الدفاع، لابد أن تكون هناك مشاكل ومصاعب وتضحيات، ودائماً كانت مقولة “نيل إحدى الحسنين” هي المقولة الفصل في ذلك، من يقوم بواجبه فأصاب، من قام بواجبه فأصاب ونجح وحقق، فقد قدم خدمة للإسلام والمسلمين والأمة الإسلامية، ومن بذل نفسه وروحه المهجة وضحى بنفسه في هذا المسير، فقد سقى على طريق الأنبياء والصلحاء والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، “الشهادة في هذه الثقافة”، في ثقافة الثورة الإسلامية في إيران “في فكر الإمامين الراحل والشهيد”، ليست نهاية الطريق، وأيضاً أساساً في الفكر الإسلامي ليست نهاية الطريق، وإنما هي بداية حياة أبدية خالدة، وهذا ما نراه في وصايا الشهداء، إذا قرأنا وراجعنا وصايا الكثير من الشهداء نرى أن هذا الفكر، التفكير بإحدى الحُسنين، “أن الشهادة هي بداية حياة أبدية خالدة عزيزة وكريمة”، لذلك، هذا الفكر أثر بشكل كبير في صناعة جيل يرى في الشهادة بداية للفوز ولتمكين الأمة الإسلامية.
من واقع عملكم الدبلوماسي والملحقية الثقافية سابقاً في لبنان، كيف ترون انعكاس ثقافة المقاومة وسيرة الشهداء على الوعي الإقليمي اليوم، خصوصاً في مواجهة محاولات طمس الهوية الجهادية؟
ثقافة المقاومة وسيرة الشهداء أثّرتا على الوعي الإقليمي، خصوصاً في مواجهة كل المحاولات لطمس الهوية الجهادية، أنا قلت سابقاً إن الثورة كانت فكراً قبل أن تكون ربما تغييراً سياسياً أو عسكرياً أو آلياً للتغيير، ومن هنا طرح الأعداء موضوع تصدير الثورة لمحاولة منهم للقول أو لإجهاض هذه الثورة أو للقول بأن هذه الثورة تتدخل هنا وهناك، هم كانوا يعرفون أن الشعوب المسلمة والشعوب المستضعفة قد تأثرت بفكر هذه الثورة، لكن كانوا يطرحون ذلك بشكل أن الثورة تحاول أن تفرض رأيها على الآخرين، وتقوم الجمهورية الإسلامية بتصدير الثورة ليتسنى لهم كما يدعون ويتصورون إدانة هذه الثورة وهذه الجمهورية.
لم يكن تصديراً للثورة، إنما كان الحقيقة كانت في ولاء الشعوب لهذه الثورة، في قبولهم بما طرحته هذه الثورة من مقولات، في إحساسهم وشعورهم بأن هذه الثورة طرحت آمالهم بل وحققت آمالهم، ومن هنا، أنا دائماً أقول إن العجلة التي ستدفع اجتماعياً بخط الثورة والمقاومة إلى الأمام، العجلة التي تدفع اجتماعياً بهذا الخط والنهج إلى الأمام، سيكون جزء كبير منها خارج حدود إيران وبين الشعوب المسلمة الأخرى، هذا ما نراه، ما رأيناه في المقاومة الإسلامية في لبنان، هذا ما رأيناه في كل محور المقاومة من العراق إلى لبنان إلى فلسطين إلى اليمن، هذا ما رأيناه في حركة تشييع الإمام الشهيد في العراق.
إيران أسست هذا المحور، محور المقاومة، ودعمته بعد بناء القوة الدفاعية التي يُحسب اليوم لها ألف حساب، وقد أثبتت هذه القوة الدفاعية قدراتها وإمكانياتها للوقوف بوجه أعظم قوة عسكرية في العالم خلال الحربين أو الحروب الثلاث الأخيرة، محور المقاومة استطاع يعني الوقوف بوجه كل المشاريع، الشرق الأوسط الجديد، الشرق الأوسط الكبير، سايكس بيكو رقم اثنين، إعادة هندسة المنطقة، كل ما يطرح أو طرح حول محاولات الإدارة الأمريكية الهيمنة على منطقتنا والعالم، فرض الهيمنة الأحادية، لا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة، من واجه هذه الهيمنة ومحاولات الهيمنة؟ محور المقاومة.
بل أكثر من ذلك، إيران وجهت خطابها للغرب، للشباب الغربي، الإمام الشهيد وجه ثلاثة رسائل إلى الشباب الغربي، إلى الرأي العام العالمي والغربي، ودعاهم إلى قراءة الإسلام عبر مصادره ومنابعه، لذلك، يجب أن نقول ونكرر، “المقاومة هي ثقافة، وثقافة المقاومة تلقتها الشعوب في منطقتنا على الأقل، إن لم نقل في كل العالم، لاسيما هذه الشعوب تلقت هذه الثقافة، ثقافة المقاومة، لاسيما بشهدائها وعبر تضحيات شهدائها”، وهذا كله ثقافة المقاومة، المقاومة الثقافية، تلقي هذه الثقافة من قبل الشعوب، تضحيات الشهداء والمضحين، كل ذلك شكل وعياً إقليمياً وعالمياً في مواجهة كل المحاولات لطمس الهوية الجهادية، ونحن نرى مدى هذه المحاولات ونرى أنها تم إحباطها.
الوعي الجاري اليوم بالنسبة لمحورين لمشروعين، مشروع ومحور المقاومة والممانعة والجهـ اد في مواجهة مشروع الاحتلال والاستيطان والاستكبار والإنبطاح والتطـ بيع، هذا ما نشهده اليوم، هذا هذا الوعي زاد بسبب ثقافة المقاومة وما نشهده اليوم، لاسيما بعد الحرب الصهيو/أمريكية الظالمة على إيران، ما نشهده من تأييد واسع لدى الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي، وهذا يمكن ملاحظته في كل المجالات، لاسيما في الفضاء الافتراضي وفي التغريدات التي تنشر، وفي الملاحظات التي تنشر على هامش هذه التغريدات، كلها تدل على أن الرأي العام العربي والإسلامي يؤيد هذه الثورة ويؤيد النهج الذي طرحته وثقافة المقاومة التي وقفت بوجه كل المحاولات لطمس الهوية الإسلامية الجهادية لأمتنا.
بصفتكم من المقربين من دائرة سماحة الإمام الشهيد الخامنئي (قُدس سره)، كيف عشتم وتلمستم أثره الشخصي والروحي في غرس مفاهيم الثبات والشهادة، وما هي الوصية الأبرز وما هي الوصية الأبرز التي تركها في وجدان العارفين بنهجه والملتزمين بعهد الدم والثبات؟
الإمام القائد الشهيد الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه) في الترويج لثقافة الشهادة، أقول إنه بسيرته، بحياته، بحضوره في كل الميادين، الميادين العسكرية، بحضوره الدائم في الحرب الظالمة التي شنها صدام حسين ضد إيران، كان دائماً في الميدان، يذهب إلى الجبهات، جبهات القتال، يعود يوم الخميس ليحضر صلاة الجمعة، يصلي الجمعة ثم ينطلق ثانية إلى جبهات القتال، أثبت ذلك بمحاولات الاغتيال التي تعرض لها والتي تدل على موقفه في توعية الشعب وتأثيره على الشعب الإيراني المسلم وعلى الأمة الإسلامية، بخطبه وخطاباته التي أطلقها لاسيما باللغة العربية، من وكانت موجهة لكل أبناء الأمة الإسلامية، بحضوره إلى جانب الشهداء، إلى جانب عوائلهم، استقباله لكل عوائل الشهداء، حتى عوائل شهداء الشهداء المسيحيين الذي وهو كان يذهب إلى منازلهم ويزور عوائل الشهداء، بحضوره في مزارات الشهداء في جنة الزهراء، مقبرة جنة الزهراء في طهران أو في المدن والمحافظات التي كان يذهب إليها والتقي بعوائل الشهداء ويزور مزارات الشهداء، بقراءته لكتبهم، كتب سيرهم، الكتب التي ألفت حول الشهداء وحول أدب المقاومة، بالتقارير التي كتبها على بعض الكتب وعلى سيرة الشهداء وفيما يتعلق بأدب المقاومة وهي ليست قليلة، بحديثه الدائم عن الشهادة والشهداء وتكريمهم له، وحضوره في كل الآليات المرتبطة بهم، حضوره في الاجتماعات، في المؤتمرات التي كانت تقام تكريماً للشهداء، حضور حضور في كل هذه الآليات، التوصيات التي أطلقها للمشرفين على هذه الاجتماعات والمؤتمرات لتكريم الشهداء، بالشعر الذي كان يردده دائماً بحرقة قلب ويقول، “نحن نحزن نتأثر، لكن الشهداء أمطروا بأرواحهم في الميدان، نحن كُل ما تحدثنا وقلنا عنه، كُل ما تحدثنا عنه هم نفذوه وجسدوه بواقعهم وبحياتهم، نحن كنا”، “طبعا أنا أترجم نص بيتين من الشعر الفارسي الذي كان هذين البيتين الذي يرددهما الإمام القائد وعيناه تدمعان وتبكيان”، “يقول، نحن كنا أدعياء الصف الأول في هذه المسيرة، لكنه قد اقتطفوا قد اقتطفوا أزهار الشهداء من آخر المجلس وليس من الصف الأول”، كان دائماً يلقي هذا الشعر بحرقة قلب وهذا يدل على حبه للشهادة وللشهداء، في صلاة الميت التي أقامها على بعض الشهداء، كالقائد الشهيد سليماني على سبيل المثال، كالقائد الشهيد إسماعيل هنية، كل ذلك يدل على عشقه بالنسبة للشهادة وترويجه بعمله وبأدائه للشهادة، وطبعا توج ذلك بعاقبته وبحياته التي ختمها بالشهادة في عقر داره وإلى جانب عائلته، ليس هو اختار الشهادة فحسب، وإنما مع أفراد عائلته، فطوبى له وحسن مآب، الوصية الأبرز بالنسبة للإمام القائد الشهيد هي قبول المسؤولية وأداء الدور لكل شخص، “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”، هي جهاد التبيين وأداء الدور في هذا المجال، ولاسيما في بيان ضرورة مواصلة الدرب وطريق الشهداء والبقاء على العهد.
في مركز ثبات، “مشروعنا يضع نصب عينيه تمكين أبناء الشهداء ثقافياً وحفظ إرث الشهداء المعرفي والجهادي، من وجهة نظركم الاستراتيجية، كيف يمكن تحويل هذا الإرث والدماء الطاهرة إلى طاقة بناء حيّة ومستدامة للأجيال القادمة؟
أعتقد أن تحويل إرث الشهداء إلى طاقة بناء حيّة ومستدامة يبدأ من فهم الشهادة باعتبارها مسؤولية لا تنتهي باستشهاد صاحبها، وإنما تستمر بما نفعله نحن تجاه هذا الطريق وتجاه الأمة، الشهداء لم يتركوا لنا مجرد ذكريات أو أسماء نُحييها في المناسبات، وإنما تركوا فكرًا ومواقف وتضحيات ينبغي أن تتحول إلى وعي وثقافة وسلوك.
ومن هنا، فإن تمكين أبناء الشهداء ثقافيًا ومعرفيًا، وحفظ إرث آبائهم الجهادي، لا بد أن يقوم على التوثيق الدقيق لسيرهم ومواقفهم ووصاياهم، وعلى تحويل هذا التوثيق إلى مادة معرفية تصل إلى الشباب والأجيال القادمة، عبر الكتابة والدراسة والبحث والحوار، فالمقاومة ليست فعلًا عسكريًا فحسب، بل هي ثقافة ووعي وقدرة على مواجهة محاولات التزييف والنسيان.
كما أن مسؤولية المؤسسات المعنية بهذا المجال، ومنها مركز ثبات، تتمثل في أداء دورها في جهاد التبيين، وفي إعداد جيل يعرف تضحيات الشهداء ويفهم دوافعهم وقيمهم، ويستطيع أن يحمل هذه الأمانة في مجالات العلم والثقافة والعمل الاجتماعي.
إن الدماء الطاهرة لا تُصان بالشعارات وحدها، وإنما تُصان بحفظ الحقيقة، و بمواصلة الطريق، وبأداء كل شخص لدوره ومسؤوليته، وحين يتحول إرث الشهداء إلى علم ومعرفة ووعي وعمل، يصبح هذا الإرث حاضرًا في بناء الأجيال، لا مجرد صفحة من صفحات الماضي.
في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة وتضحيات القادة والشهداء، ما هي الرسالة الأهم التي يوجهها فكر الثورة الإسلامية اليوم لكل من يتوهم أن استهداف الرموز والقيادات يمكن أن يوهن عزم الأمة أو يغير بوصلتها؟
القائد استشهد، كبار القادة العسكريين استشهدوا، كبار العلماء الذريين وغير الذريين استشهدوا، سيد شهداء المقاومة السيد الشهيد الأقدس السيد حسن نـ صر الله استشهد، نائبه الشهيد الكبير السيد هـ اشم صفي الدين، شهداء من أمثال إسماعيل هـ نية والمهـ ندس والسنـ وار وغيرهم، كل ذلك يدل على ضرورة مواصلة طريق الجهـ اد والثبات على هذا الطريق، وأن لا نجعل من مناصبنا من مكتسباتنا وأهدافنا الدنيوية وسيلة للارتقاء الشخصي فحسب، وإنما نجعل كل ذلك اروحنا وشهادتنا فداء للأمة الإسلامية ووسيلة لتحقيق أهداف هذه الأمة، أن نقف بوجه كل محاولة تخريب وتزييف، “كيف نحفظ ثقافة الشهداء وثقافة الشهادة؟”، “أن نقف بوجه كل محاولة تهدف لنسيان دماء الشهداء والدور الذي قاموا به”.
في ختام هذا الحوار، تتضح العلاقة بين فكر الشهادة وثقافة المقاومة بوصفها علاقة تتجاوز استحضار التضحيات إلى سؤال المسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل، فالشهادة، كما يبرز في حديث الدكتور محمد مهدي شريعتمدار، لا تُختزل في لحظة الاستشهاد، بل تمتد آثارها إلى الوعي الذي تُنتجه، والقيم التي تُرسخها، والدور الذي يتحمله من يأتي بعدها.
ومن أثر الثورة الإسلامية في تشكيل الوعي السياسي، إلى حضور ثقافة المقاومة في المنطقة، مرورًا بسيرة الإمام الخامنئي وعلاقته بالشهداء وعوائلهم، يضع الحوار أمامنا مجموعة من القضايا التي تتصل بحفظ الذاكرة وتوثيق المواقف وأداء المسؤولية.
ولعل التحدي الأهم لا يكمن في حفظ أسماء الشهداء وحدها، بل في إبقاء معاني تضحياتهم حاضرة في المعرفة والثقافة والعمل، فالإرث الذي لا يُوثق قد تطاله يد النسيان، والفكرة التي لا تجد من يحملها قد تفقد حضورها في الأجيال.
إن مواصلة الطريق، وفق ما يطرحه الضيف، تبدأ من أداء الدور، والتمسك بالمسؤولية، ومواجهة محاولات التزييف والنسيان، وهي مسؤولية لا تقع على جهة واحدة، بل تتطلب جهدًا معرفيًا وثقافيًا مستمرًا، يضع الشهادة في سياقها الفكري والإنساني، ويحفظ للشهداء حضورهم في ذاكرة الأمة ووعيها.

اترك تعليقًا