إن الموضوع الهام الذي يطرحه هذا السؤال، وهو كيف ننتقل بابن الشهيد من موقع المتلقي للرعاية إلى موقع الفاعل القادر على صناعة الأثر؟، يتطلب منا مقاربة جديدة للنظرة إلى دور الشهداء وعوائل الشهداء والمؤسسات التي تُعنى بعوائل الشهداء، وخصوصًا في الدول التي واجهت حروبًا قاسية وسقط فيها عدد كبير من الشهداء، كما هو الحال في لبنان وفلسطين واليمن والعراق وإيران وسوريا، وسابقًا في مصر والجزائر والأردن ودول عربية وإسلامية أخرى لا يمكن إحصاؤها حاليًا.

ومن المعروف أن الجزائر كانت تُعتبر بلد المليون شهيد في مواجهة الاستعمار الفرنسي، أما في فلسطين، فمنذ قيام الكيان الصهيوني إلى اليوم، فهناك مئات الآلاف من الشهداء، والعدد في ازدياد، وفي إيران، سقط ملايين الشهداء في الحروب التي واجهتها طيلة عشرات السنين، وكذلك في العراق، وفي لبنان، سقط عشرات الآلاف من الشهداء، سواء في الحرب الأهلية أو في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، والأمر نفسه في الأردن وسوريا واليمن ودول أخرى، حيث يسقط الشهداء دفاعًا عن الوطن، أو بسبب الإرهاب، أو الأزمات والصراعات المختلفة.

وخلال العقود الأخيرة، قامت العديد من المؤسسات برعاية عوائل الشهداء وأبناء الشهداء، وكانت هذه المؤسسات تتولى تقديم الدعم المالي والرعاية الاجتماعية والتربوية والنفسية، وتعليم أبناء الشهداء كي يستطيعوا رعاية أنفسهم بأنفسهم أو مساعدة عائلاتهم.

ومن خلال اطلاعي على التجارب اللبنانية في رعاية الأيتام أو عوائل الشهداء وأبناء الشهداء، فإنه يمكن القول إن هذه التجارب كانت ناجحة جدًا من خلال تقديم كافة أشكال الدعم لهم، وهذا يحتاج إلى بحث تفصيلي من خلال الاطلاع على هذه التجارب بشكل موسّع ووضع تقييم عنها.

ومن خلال هذه التجارب، تحوّل أبناء الشهداء إلى طاقات فاعلة في المجتمع، بدلًا من أن يكونوا عبئًا على المجتمع، أو مصدر قلق لعوائلهم، أو سببًا من أجل التراجع عن الدور المقاوم.

ويمكن تلخيص أهم الأسس التي يمكن الاستفادة منها في هذه التجارب وغيرها لتحويل ابن الشهيد من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل والقادر على صناعة الأثر بما يلي.

أولًا: الإحاطة الكاملة بعائلة الشهيد وأبناء الشهداء منذ اللحظة الأولى

الإحاطة الكاملة بعائلة الشهيد وأبناء الشهداء منذ اللحظة الأولى لاستشهاد الأب أو الأخ أو الابن، بحيث تشكّل هذه الإحاطة والرعاية نوعًا من الاحتضان وملء بعض الفراغ العاطفي والروحي والإيماني الذي ينتج عن الاستشهاد، وهذا يتطلب وعيًا كاملًا بأهمية الشهادة ودورها في المسيرة النضالية والجهادية، ودور الشهداء في تحقيق النصر، والاطلاع الكامل على النصوص الدينية التي توصي بعوائل الشهداء ورعايتهم.

ثانيًا: دراسة احتياجات عوائل الشهداء وأبنائهم

دراسة احتياجات عوائل الشهداء وأبناء الشهداء، ووضع خطة عملية ودائمة للرعاية، وعدم الاكتفاء بالجانب المعنوي أو التعبوي. ومن المهم الاستفادة من أصحاب الاختصاص في هذا المجال، سواء على الصعيد التربوي أو الاجتماعي أو النفسي أو الصحي.

ثالثًا: إشراك أبناء الشهداء في المجتمع

إشراك أبناء الشهداء في كل المناسبات الدينية والاجتماعية، وتقديم كافة أشكال الدعم لهم من أجل الحصول على المستوى التعليمي أو المهني المناسب، كي يكونوا قادرين على القيام بالمهام المطلوبة منهم في عائلاتهم أو على صعيد المجتمع.

رابعًا: إقامة الأنشطة المشتركة

إقامة الأنشطة المشتركة لعوائل الشهداء وأبنائهم، وخصوصًا في المناسبات الدينية والاجتماعية والسياسية، وهذا يعزز التعاون والتكافل المشترك، ويحوّل عوائل الشهداء إلى عنصر مهم من عناصر الدعم والحيوية للمسيرة الجهادية والسياسية والنضالية.

خامسًا: اعتبار عوائل الشهداء مصدر طاقة وحيوية

اعتبار عوائل الشهداء مصدر طاقة وحيوية في المجتمع، بدل التعاطي معهم كعناصر ضعيفة، فعوائل الشهداء هم العوائل التي ضحّت وأعطت وقدّمت أعز ما لديها، وهي قادرة على نقل روح العطاء إلى غيرها من أفراد المجتمع، بدل أن تكون سببًا للإحباط والهزيمة.

سادسًا: إنتاج المحتوى الإعلامي والثقافي

إنتاج البرامج الإعلامية التلفزيونية والإذاعية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي عن الشهداء وعوائل الشهداء، وكذلك عبر الصحافة والأدب والروايات والكتب، ويمكن أن يتولى أبناء الشهداء كتابة القصص عن آبائهم، وكذلك المشاركة في الأنشطة الإعلامية المختلفة، من أناشيد ومسرحيات وبرامج إذاعية.

سابعًا: دمج ابن الشهيد في المجتمع

رغم التميز الخاص لعوائل الشهداء وأبنائهم في المجتمع، لكن من المهم أن يصبح ابن الشهيد عنصرًا فاعلًا في المجتمع مثل أي إنسان آخر، وخصوصًا عندما يتولى أي مهمة اجتماعية أو تربوية، أو يقوم بأي دور في المجتمع.

اخيراً، ومن خلال هذه الأسس، يمكن أن تتحول عوائل الشهداء وأبناء الشهداء إلى عناصر فاعلة ومؤثرة في المجتمع، بدل أن تكون سببًا لإثارة الإحباط أو الشعور بالهزيمة لدى البعض.

إن قيمة الشهادة والتضحية في الإسلام وفي كافة الأديان والعقائد مهمة جدًا، وإن تكريم الشهداء وعوائل الشهداء مهمة جدًا، وهذا ما تعلمناه من سيرة الأنبياء والأئمة والرسل والقادة، وهناك كتب كثيرة وشهادات كثيرة يمكن الاستفادة منها في تكريم الشهادة والشهداء وعوائل الشهداء وأبناء الشهداء.

والأهم ألّا يتم الاكتفاء بالمواعظ والكلمات والاحتفالات، بل أن يكون التكريم عمليًا، وعبر الاهتمام العملي، وأن تصبح عوائل الشهداء مصدرًا للفخر والعطاء، وأن يصبح ابن كل شهيد قائدًا وفاعلًا ومؤثرًا في المجتمع.