حوار مع مدير مركز ثبات السيد أبو الحسن الطحان، يتناول فيه رؤية المركز في العمل مع أبناء الشهداء، ومنهج “الأثر الممتد” الذي يسعى إلى تحويل البرامج إلى أثر مستدام، إلى جانب أبرز التحديات والملفات التي يعمل عليها المركز، كما يتوقف الحوار عند مشروع “نتاج ثبات” بوصفه مسارًا ثقافيًا وفكريًا يهدف إلى إنتاج المعرفة، وقراءة تجربة الشهادة وسيرة الشهداء بوعي يتجاوز الاستذكار إلى بناء الوعي وصناعة أثر يستمر في الأجيال المقبلة.
رسول حسين ابو السبح… لا تُقاس قيمة المؤسسات الثقافية والاجتماعية بما تقدمه من برامج وفعاليات فحسب، وإنما بما تستطيع أن تتركه من أثر ممتد في الإنسان والمجتمع، و بقدرتها على تحويل التجربة والذاكرة إلى معرفة وممارسة ومسؤولية.
من هذه الرؤية يتحرك مركز ثبات، بوصفه مساحة ثقافية واجتماعية معنية بأبناء الشهداء، لا من موقع الرعاية والتلقي فقط، بل من موقع اكتشاف الطاقات وبناء القدرات وإتاحة المجال أمامهم ليكونوا امتدادًا حيًا لإرث آبائهم وحضورًا فاعلًا في المجتمع.
وفي سياق تطوير هذا الدور، يأتي مشروع “نتاج ثبات” بوصفه مسارًا ثقافيًا وفكريًا يسعى إلى الانتقال من إقامة البرامج إلى إنتاج المعرفة، ومن استذكار التجربة إلى قراءتها وتحليلها، وفتح المجال أمام الكتاب والباحثين وأصحاب التجارب للمساهمة في بناء خطاب يواكب قضايا الشهادة والشهداء وأبنائهم، ويمنح هذه التجربة أفقًا أوسع للتداول والتأثير.
في هذا الحوار، يتحدث مدير مركز ثبات السيد أبو الحسن الطحان عن رؤية المركز، والمساحات التي يسعى إلى شغلها، وتحديات العمل، وملف أبناء الشهداء العاطلين عن العمل، وصولًا إلى مشروع “نتاج ثبات” وما يطمح إلى أن يتركه من أثر في المؤسسة ووعي الأجيال.
في البداية، كيف يعرّف مركز ثبات نفسه؟ وما المساحة التي يسعى إلى شغلها في المجال الثقافي والاجتماعي والتوثيقي، وما أبرز الملفات التي ينطلق منها في عمله؟
بدايةً، أشكركم على مبادرة الاستضافة وإتاحة هذه المساحة للحديث عن مركز ثبات وتجربته.
مركز ثبات هو مساحة ثقافية واجتماعية وُجدت لأبناء الشهداء، نعمل من خلالها على إتاحة المجال لهم للمشاركة، واكتشاف طاقاتهم، وتطوير قدراتهم ومهاراتهم عبر برامج وأنشطة متعددة، بما يعزز حضورهم ودورهم في المجالات الثقافية والاجتماعية والفكرية، ويمنحهم مساحة حقيقية للمبادرة والتأثير.
ونحن في ثبات لا ننظر إلى أبناء الشهداء بوصفهم فئة تتلقى البرامج فحسب، بل نراهم امتدادًا حيًا لإرث آبائهم، فالشهادة لا تنتهي عند لحظة العروج، وإنما تترك مسؤولية وأثرًا ورسالة تتطلب من الأبناء أن يحملوا جانبًا منها، كلٌّ بحسب قدرته وموقعه.
وقد أشار الإمام الخامنئي الشهيد (قدس) إلى هذه الحقيقة في حديثه عن أبناء الشهداء، مبينًا أن ما يقدمونه من أعمال يمكن أن يعكس ذكرى الشهيد ونفسية الشهادة وقصة فداء وتضحيات آبائهم، ومن هنا فإن مسؤوليتنا في المركز أن نهيئ البيئة التي تساعدهم على بناء هذه الأدوار، وأن نمنحهم الفرصة ليكونوا حاضرين وفاعلين في المجتمع، إن شاء الله.
وفي الوقت ذاته، نستحضر ثقل التجربة التي راكمتها مسيرة بدر، وما قدمته من تضحيات في نصرة المذهب وطريق الحق، وهذا التاريخ بالنسبة لنا ليس مجرد رصيد نستذكره، وإنما مسؤولية حاضرة ودافع لمواصلة العمل بما يليق بما قُدّم من تضحيات، ولذلك فإن خدمة الشهداء وأبنائهم بالنسبة لنا ليست عنوانًا جانبيًا، وإنما جزء من المسؤولية التي نتحرك في إطارها.
ومن هنا جاءت رؤيتنا في العمل تحت عنوان “منهج الأثر الممتد”، وهي رؤية تقوم على أن قيمة البرنامج لا تُقاس بمجرد إقامته، وإنما بما يتركه من أثر قابل للاستمرار في حياة المشاركين.
ولهذا نعتمد مجموعة من المسارات، يأتي في مقدمتها البرامج المركزية السنوية التي يخطط لها المركز وفق أهداف واضحة وغير تقليدية، وننظر إليها باعتبارها أدوات لبناء الشخصية وتنمية المهارات وصناعة الأثر المتراكم.
وفي الوقت نفسه، لا نتعامل مع طموحاتنا بمعزل عن واقع العمل وتحدياته، فحجم ما نطمح إلى إنجازه يتجاوز في أحيان كثيرة ما هو متاح لنا من موارد بشرية وإمكانات مادية، وهي تحديات حقيقية تفرض علينا أن نكون أكثر واقعية في التخطيط وأكثر ابتكارًا في إيجاد الحلول.
ومع ذلك، فإن محدودية الإمكانات لا تعني التوقف، نستعين بالله، ونؤمن بأن علينا أن نقوم بما نستطيع القيام به، وأن نبحث باستمرار عن المساحات الممكنة لصناعة الأثر، مهما كانت محدودة في بداياتها.
ومن أبرز الملفات التي نعمل عليها اليوم ملف أبناء الشهداء العاطلين عن العمل، وهو من أكثر الملفات تحديًا وأولوية بالنسبة لنا، فمسألة التشغيل لا يمكن اختزالها في البحث عن تعيين حكومي، في ظل محدودية الفرص المتاحة، وإنما تحتاج إلى دراسة أوسع للحلول والمعالجات الممكنة، بما في ذلك فتح مسارات باتجاه القطاع الخاص والمشاريع الصغيرة وغيرها من الخيارات التي يمكن أن تسهم في معالجة المشكلة بصورة أكثر شمولًا واستدامة.
وهذا ملف يتطلب تكاتف الجهود، وتعاون الجهات المعنية، والحصول على الدعم الكافي للانتقال من تشخيص المشكلة إلى بناء حلول قابلة للتنفيذ.
وبالتوازي مع هذا المسار، وجدنا أن طبيعة المركز وتخصصه تفرضان علينا أن نفتح مجالًا آخر للعمل، فالمركز معني بالثقافة والمجتمع، وله صلة مباشرة بسير الشهداء وأدبيات الشهادة وتجارب أبنائهم، ومن ثم لا ينبغي أن تبقى هذه المساحة محصورة في إقامة البرامج والفعاليات، بل من المهم أن يكون للمركز إسهام في إنتاج المعرفة والمحتوى، وفتح المجال أمام الكتاب والباحثين وأصحاب التجارب لتناول هذه القضايا من زوايا متعددة.
ومن هنا جاء “نتاج ثبات” بوصفه مسارًا ثقافيًا وفكريًا مكمّلًا لعمل المركز؛ نريد من خلاله أن نضيف إلى ما هو قائم، وأن نبني نتاجًا يمكن أن يبقى ويتداول ويُقرأ ويُستفاد منه.
وهذا، في تقديري، هو التطور الطبيعي في عمل المركز، أن نحافظ على برامجنا ومساراتنا القائمة، ونعالج في الوقت نفسه الملفات التي تمس حياة أبناء الشهداء بصورة مباشرة، ونفتح مساحات جديدة لصناعة أثر أوسع وأكثر استدامة، مستندين إلى ما لدينا من إمكانات، ومستعينين بالله عز وجل، ومستفيدين من كل جهد يمكن أن يتكامل معنا في أداء هذه المسؤولية.
للحديث بشكل دقيق حول “نتاج ثبات” يبدأ المشروع من المقالات والحوارات والأبحاث والدراسات، ويفتح المجال للكتّاب والباحثين من الداخل والخارج أي من مختلف البلدان، كيف تتصورون تطور هذا النتاج خلال المرحلة المقبلة؟
نحن ننطلق من قناعة بأن المعرفة لا تعترف بالحدود، وأن ما يجمعنا مع المجتمعات الأخرى أوسع من الجغرافيا، ولا سيما حين تتقاطع في المذهب والفكر والقيم والرؤية.
والمجتمعات التي تشكلت في وجدانها ثقافة الشهادة والتضحية وحمل مسؤولية الحق، تمتلك تجارب متراكمة يمكن أن تتفاعل وتتلاقح فيما بينها، ليكون صوت القلم أكثر حضورًا وقدرة على الوصول.
ومن هنا نطمح إلى أن يتجاوز “نتاج ثبات” الإطار المحلي، وأن يفتح المجال لتجارب وأقلام من إيران ولبنان واليمن وفلسطين وغيرها من الدول التي تؤمن بفكرة الشهادة وتقدس الشهداء، لأن اجتماع هذه التجارب وتنوعها يمكن أن يوسع دائرة التأثير، ويتيح قراءة القضايا من زوايا متعددة، ويعزز التواصل الثقافي والفكري بين المجتمعات التي يجمعها الكثير من المشتركات.
وفي النهاية، نحن لا نريد أن يكون النتاج مجرد مواد منشورة، وإنما نريده جسرًا للتعارف والتكامل وتبادل التجارب، فكلما اتسعت دائرة المشاركين، اتسعت معها دائرة الأثر، وأصبح للقلم دور أكبر في تعزيز الوعي وتقوية الأواصر ووحدة الصف حول القضايا المشتركة.
إذا كان “نتاج ثبات” بداية لمسار ثقافي طويل، فما الذي تريدون أن يبقى منه بعد سنوات؟ وما الأثر الذي تتمنون أن يتركه في ذاكرة المركز وفي وعي الأجيال؟
ما أتمنى أن يبقى بعد سنوات من إطلاق “نتاج ثبات” ليس مجرد أرشفة للمقالات أو رفوف تثقلها الإصدارات، بل نتطلع إلى إحداث تحول رصين يترك أثره في بُعدين أساسيين.
البعد الأول هو بناء المأسسة وضمان الاستدامة.
إن الحقيقة المرة التي تواجه أغلب المؤسسات والتنظيمات اليوم هي غياب العمل المؤسساتي المنظم، ولذلك مبررات وطبيعة ظروف لا يسع المجال لذكرها، لكن تخوفي الحقيقي هو أن ينزلق عملنا شيئًا فشيئًا نحو الفردانية، فيصبح المشروع مرتهنًا بالشخص القائم عليه، مما يؤدي حتمًا إلى الانحدار والغياب مع تغير الأشخاص.
لذلك فإن ما نخطط له في “نتاج ثبات” هو إرساء قواعد تنظيمية وهيكلية صحيحة تكفل استدامة المسيرة وتطورها، واستقلاليتها عن الأفراد، ليبقى المشروع حيًا وقادرًا على العطاء المتواصل، إن شاء الله.
أما الأمر الآخر، فنهدف إلى صياغة رؤية معرفية حية تقرأ التضحيات بعين ولاية الفقيه؛ مسار رصين يحمي سيرة الشهداء ودماءهم من استلاب المعنى أو التسطيح الإعلامي، ويترك في وعي الأجيال القادمة حقيقة راسخة، وهي أن الشهادة ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي قوانين نهوض وبناء حضاري تمنح الأمة حصانة فكرية ومناعة معرفية مستمرة، إن شاء الله.
في ختام هذا الحوار، يتضح أن “نتاج ثبات” لا يأتي بوصفه إضافة شكلية إلى برامج مركز ثبات، وإنما بوصفه امتدادًا لفكرة أوسع تتصل بطبيعة العمل نفسه، كيف يتحول ما نفعله اليوم إلى أثر يبقى بعدنا؟
فمن خدمة أبناء الشهداء وتنمية قدراتهم، إلى معالجة الملفات التي تمس حياتهم بصورة مباشرة، وصولًا إلى إنتاج المعرفة وفتح المجال أمام الأقلام والتجارب، تبدو الفكرة المركزية التي تحكم رؤية المركز واضحة، ألا تتوقف قيمة العمل عند لحظة إنجازه، بل أن يجد طريقه إلى الاستمرار والتراكم والتأثير.
ولعل الرهان الأهم في “نتاج ثبات” ليس في عدد المقالات أو الدراسات أو الحوارات التي ستُنشر، وإنما في قدرته على بناء ذاكرة واعية، وتحويل سيرة الشهداء من مادة للاستذكار إلى مادة للفهم، ومن حدث في الماضي إلى سؤال حاضر عن المسؤولية والمعنى والأثر.
وفي هذا المعنى، يصبح القلم جزءًا من مشروع الوفاء، لا يكتفي بحفظ الذاكرة، بل يسعى إلى قراءتها، ولا يكتفي باستحضار التضحيات، بل يبحث عن دلالاتها في الحاضر والمستقبل.
فإذا كان الشهيد قد ترك أثره بالدم، فإن مسؤولية الأحياء أن يمنحوا ذلك الأثر حياةً جديدة بالوعي والعمل والمعرفة.. وهنا تحديدًا تبدأ حكاية “نتاج ثبات”.

اترك تعليقًا