حين تُختزل قضية أبناء الشهداء في الرعاية والدعم وانتظار الوظيفة، فإننا نختزل قضية أكبر تتصل بموقع الإنسان في المجتمع ودوره في صناعة المستقبل، إن السؤال الجوهري الذي نطرحه هنا لا يتعلق بإلغاء الرعاية أو الانتقاص من حقوقهم، بل بإعادة تعريف مفهوم الرعاية نفسه، لبيان كيفية الانتقال بها من نمط ينتج “الاعتماد والانتظار” إلى مسار يُنتج “القدرة، والاستقلال، وصناعة الأثر”.
وفي السياق العراقي تحديدًا، يجب أن يبتعد هذا الطرح عن أي فهم يمس الحقوق التي كفلها الدستور والقانون لذوي الشهداء
فالدستور العراقي ألزم الدولة برعاية ذوي الشهداء، كما جعل تكافؤ الفرص حقاً مكفولاً لجميع العراقيين، فيما يمثل قانون مؤسسة الشهداء رقم (2) لسنة 2016 وتعديله الأول لسنة 2024 إطاراً أساسياً لتنظيم هذه الحقوق، ومن هنا، فإن الانتقال من الرعاية إلى التمكين لا يعني إطلاقاً التراجع عن الحقوق، بل يعني تطوير فلسفة التعامل معها، بحيث لا تكون الرعاية غاية نهائية، وإنما قاعدة صلبة ينطلق منها أبناء الشهداء نحو التعليم والعمل والإبداع والإنتاج والمشاركة الفاعلة في بناء العراق.
لذا فإن الرعاية حق وليست مشروع حياة.. من المهم جداً تثبيت هذه القاعدة الأساسية، رعاية أبناء الشهداء حق مكفول وليست منة من أحد، والحقوق التي كفلها الدستور والقانون لا ينبغي التعامل معها بوصفها عبئاً أو فضلاً تقدمه الدولة، لكن الرعاية شيء، وتحويلها إلى نمط حياة دائم شيء آخر مختلف تماماً، فالراتب يعالج حاجة مادية، والمنحة المالية تساعد في ظرف معين، والوظيفة تؤمن مصدر دخل، لكن التعليم الجيد هو ما يبني الإنسان، والمهارة هي ما تمنحه القدرة على المنافسة، والتمكين الاقتصادي هو ما يفتح أمامه باب الاستقلال، والمعرفة هي ما تمنحه القدرة على صناعة الحلول.
لذلك، ينبغي ألا يكون السؤال الذي يحكم المرحلة المقبلة محصوراً فقط في.. ماذا نقدم لابن الشهيد؟، بل ينبغي أن يكون السؤال الجوهري.. كيف نجعله قارداً على بناء مستقبله والمساهمة الفاعلة في بناء مستقبل بلده؟، فالشهيد كان في لحظة التضحية “فاعلاً لا متلقياً”، وقد قدم أغلى ما يملك حيث جاد بنفسه دفاعاً عن الوطن والإنسان والقيم، ومن الوفاء الحقيقي لتضحياته ألا تتحول حياة أبنائه إلى دائرة دائمة من الانتظار، وإنما أن تتحول الرعاية التي يحصلون عليها إلى قوة تمكنهم من مواصلة البناء والعطاء، وعليه نحتاج إلى العمل الجاد على نقل أبناء الشهداء من الاستحقاق إلى التمكين، لأن المشكلة ليست في حصول ابن الشهيد على استحقاقه، وإنما في أن يصبح الاستحقاق الوظيفي هو السقف الأعلى لطموحه.
فمن تقديم الخدمة إلى بناء القدرة.. لقد آن الأوان للانتقال من فلسفة “تقديم الخدمة” إلى فلسفة “بناء القدرة”، فالطالب من أبناء الشهداء لا ينبغي أن يكون الهدف من رعايته مجرد الحصول على مقعد دراسي، وإنما مساعدته على التفوق واكتشاف موهبته وبناء شخصيته العلمية، وخريج الجامعة لا ينبغي أن تكون نهاية رحلته انتظار التعيين الحكومي، بل امتلاك مهارة حقيقية تؤهله للمنافسة بقوة في سوق العمل، وصاحب الفكرة ينبغي أن يجد من يساعده على تحويل فكرته إلى مشروع، والمشروع إلى قيمة علمية واقتصادية واجتماعية، وهنا يظهر الفرق الجوهري بين “الامتياز والتمكين”، فالامتياز يعالج وضعاً استثنائياً مؤقتاً، أما التمكين فيمنح الإنسان أدوات النجاح والاستقلال المستدام.
وبالحديث عن التعليم فهو نقطة التحول الأولى.. إذا كان العراق يريد بناء جيل مختلف من أبناء الشهداء، فإن التعليم يجب أن يكون في مقدمة الأولويات، ولا يكفي في هذا الصدد توفير المقاعد الدراسية والمنح الجامعية فحسب، بل المطلوب بناء منظومة متكاملة تشمل الإرشاد الأكاديمي، واكتشاف المواهب، والبعثات الدراسية، وتعليم اللغات، والمهارات الرقمية، والبحث العلمي، والتدريب المهني والتقني. كما ينبغي عدم التعامل مع أبناء الشهداء بوصفهم كتلة متشابهة، فمنهم الطبيب والمهندس والباحث والمدرس والإعلامي والمحامي والمبرمج ورجل الأعمال والحرفي والمثقف والمبدع، والرعاية الحقيقية هي التي تساعد كل فرد منهم على اكتشاف المسار الذي يستطيع من خلاله أن يكون أكثر نفعاً لنفسه ومجتمعه.
ولقد صار معلوماً للجميع أن الوظيفة الحكومية ليست نهاية الطريق، إذ إن من أبرز التحديات التي تواجه العراق حالياً ارتباط مفهوم الاستقرار والنجاح بالوظيفة الحكومية، في حين أن قدرة الدولة على استيعاب جميع الداخلين إلى سوق العمل محدودة للغاية، لذلك يجب أن تتغير النظرة إلى المستقبل الاقتصادي لأبناء الشهداء، فالوظيفة الحكومية يمكن أن تكون أحاد الخيارات، لكنها لا ينبغي أن تكون الخيار الوحيد، إذ يمكن أن تتجه البرامج الخاصة بأبناء الشهداء إلى تأهيلهم للعمل في القطاع الخاص، وتطوير مهاراتهم المهنية، وربطهم بالشركات والمؤسسات الاقتصادية، وتشجيعهم على تأسيس المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع توفير التدريب والاستشارات وحاضنات الأعمال والتمويل الملائم، وبذلك تتحول الدولة من مجرد مانح للوظيفة إلى صانع حقيقي للفرصة.
وبالحديث هم تطوير الأداء المؤسسي والشراكة الثلاثية.. يأتي هنا أيضاً دور مؤسسة الشهداء للانتقال من “إدارة الاستحقاق” إلى “إدارة الفرص”، فإن تطوير هذا المسار يتطلب تطويراً موازياً في أداء المؤسسات المعنية أيضاً، فالمؤسسة التي تعرف عدد المستفيدين من الرواتب والإعانات تعرف جزءاً ضئيلاً من الصورة، أما المؤسسة التي تعرف مستوياتهم التعليمية وتخصصاتهم ومهاراتهم ومواهبهم وطموحاتهم والعقبات التي تحول دون نجاحهم، فهي المؤسسة القادرة على صنع سياسة حقيقية للمستقبل، ومن هنا، يمكن تطوير مسار مؤسسي متخصص بتمكين أبناء الشهداء يتولى بناء قاعدة بيانات شاملة للطاقات والكفاءات، وربطها بالجامعات ومراكز التدريب والقطاع الخاص وحاضنات الأعمال والمؤسسات البحثية والثقافية، وبذلك تصبح مؤسسة الشهداء، إلى جانب دورها الأساسي في حفظ الحقوق ومتابعة الاستحقاقات، جزءاً من منظومة وطنية متكاملة لصناعة الفرص، حيث إن الهدف ليس استبدال الرعاية بالتمكين، وإنما جعل الرعاية نفسها طريقاً مؤدياً إلى التمكين وصناعة الأثر الإيجابي.
وإذا كانت الدولة تمتلك التشريع والموارد والمؤسسات الرسمية، فإن لمؤسسات المجتمع المدني دور مؤثر، فهي تمتلك قدرة مهمة على الوصول إلى المجتمع، واكتشاف الاحتياجات، وتنفيذ البرامج المرنة، وبناء الشراكات، واستقطاب الخبرات، ومن الخطأ أن يبقى دور مؤسسات المجتمع المدني في قضية أبناء الشهداء محصوراً في توزيع المساعدات أو إقامة الفعاليات الموسمية وإحياء المناسبات، بل المطلوب هو الانتقال من “موسمية المساعدة إلى استدامة التمكين”.
إن النجاح في هذا المسار لن يتحقق إذا بقيت المسؤولية في يد جهة واحدة، بل نحن بحاجة إلى “شراكة ثلاثية تتكامل فيها الأدوار”، الدولة تحفظ الحقوق وتوفر الإطار القانوني والموارد والفرص، ومؤسسات المجتمع المدني تساند وتدرب وتكتشف المواهب وتبني الشبكات وتتابع البرامج، وابن الشهيد نفسه ينتقل تدريجياً من موقع المستفيد إلى موقع الشريك والفاعل وصاحب المبادرة.
إن هذه المعادلة ضرورية للغاية، لأن تحميل ابن الشهيد وحده مسؤولية الانتقال من الرعاية إلى الإنتاج ظلم له، كما أن بقاءه أسير الرعاية الدائمة ظلم كبير لقدراته وإمكاناته، فإذا كان الشهيد قد قدم حياته من أجل العراق، فإن الوفاء الحقيقي له لا يكون فقط بأن نبقي أبناءه في دائرة الرعاية، بل بأن نساعدهم على الانتقال إلى دائرة الفعل، من “الاستحقاق إلى التمكين”، ومن “التمكين إلى الإنتاج”، ومن “الإنتاج إلى صناعة الأثر”.
وعندها، لا يعود ابن الشهيد عنواناً للحاجة، بل يصبح عنواناً للقدرة والتميز، ولا تبقى شهادة الآباء مجرد ذكرى في الماضي، بل تتحول إلى قيمة حية تسهم في صناعة مستقبل العراق.

اترك تعليقًا